بيروت و”الحزب” وصخرة الروشة.. صراع الاندماج والإقصاء
لعل السجالات حول توجّه “حزب الله” لإضاءة صخرة الروشة بصورتي أمينيه العامين السابقين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، تتخطى البُعد الإحيائي لمناسبة سياسية، بل تعكس جوهر الصراع مع خصوم الحزب على مستقبله ودوره وامتداده وشرعيته، وهو ما يفسّر المعارضة العنيفة من قبل نواب بيروت لفعالية مشابهة.
وأعلن “حزب الله”، الثلاثاء، فعاليات إحياء ذكرى نصرالله وصفي الدين التي تبدأ في 25 أيلول/سبتمبر المقبل بمسيرات بَحرية، وبإضاءة صخرة الروشة بصورتي أمينيه العامين الراحلين، في الذكرى السنوي الأولى على اغتيالهما. وأثار الاعلان رفضاً واسعاً من قبل نواب يمثلون بيروت، بينهم فؤاد مخزومي ونبيل بدر وعماد الحوت ووضاح الصادق… ما استدعى ردوداً من جمهور الحزب الذي دعم الخطوة، وبدا في موقع التحدي لاعتراض النواب.
https://x.com/Nabilbadr0ff/status/1967928389609935270
وبرر النواب اعتراضهم بالقول إن بيروت يجب أن تبقى محايدة، منزوعة الشعارات الحزبية والسياسية، وأن صخرة الروشة مَعلَم تراثي ورمزي يجسد معاني الجمع لا التفرقة.. وردّ جمهور الحزب بأن صخرة الروشة أضيئت في السابق للتضامن مع فرنسا وبلجيكا ودول عربية أخرى.. وأن نصرالله “استشهد دفاعاً عن لبنان”، و”نتيجة دفاعه عن القضية الفلسطينية التي أضيئت صخرة الروشة في السابق تضامناً معها”، في إشارة الى إضاءتها بعلم فلسطين.
مدلولات سياسية
والحال أن الطرفين يناقشان شكليات الفعالية ورفضها، لكن المدلولات السياسية للتأييد والرفض، تتخطى هذا الجانب. فالحزب، منذ تأسيسه، اتخذ من الضاحية الجنوبية مركزاً للنفوذ. ترعرع بين الأزقة وأحياء الفقراء، وبقي بعيداً الى حدّ كبير عن مركز الحكم في بيروت. بالنسبة إلى معارضي الحزب، الضاحية هي الهامش. العزلة. تقع على الأطراف، وهو ما يستوجب أن تبقى زعاماتها فيها.
على مدار العقود الماضية، ارتبط اسم الضاحية بالحزب. بات اسمه واسمها، في موقع يتجاوز التنافس. كانا متكاملَين الى حدود الإلتصاق. فالحزب، مُبعد من بيروت بقرار سوري من حافظ الأسد، منذ مجزرة “فتح الله” في حق الحزب.. وبعد مجيء بشار الأسد الى الحكم، حدث أول اختراق من الحزب في بيروت. كان ذلك في انتخابات العام 2000 حين فاز النائب محمد برجاوي عن الحزب، في المقعد التاسع عشر، وفرضه السوريون في لائحة رفيق الحريري. في ذلك الوقت، كانت الأصوات الشيعية تتضخم في بيروت العاصمة، وبدأت بالتعاطف والانحياز الى الحزب، بعد تحرير العام 2000 الذي مثّل حدثاً تاريخياً منقطع النظير، وتحولاً في مسيرة الحزب الشعبية بشكل لا يُنافس.
الإندماج مع المركز
واختراق “الإقصاء” في ذلك الوقت، فتح شهية الحزب على الإندماج مع “المركز”، انطلاقاً من وسط العاصمة، ولعل الحدَثين الأكثر التصاقاً بذاكرة سكان بيروت، هما: الاعتصام لإقالة حكومة فؤاد السنيورة في وسط بيروت، والذي استمر من 2006 إلى 2008 وشلّ قلب العاصمة كلياً، وغزوة 7 أيار 2008 دفاعاً عن شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب من خارج الدولة ومؤسساتها. وعلى مدار أربع جولات انتخابية بين 2005 و2022، كان للحزب ممثل عن بيروت، خلافاً لحركة “أمل” التي خسرت تمثيلها في انتخابات 2005 بموجب الحلف الرباعي (شغَل المقعد الشيعي الثاني آنذاك النائب والوزير السابق غازي يوسف المقرّب من الحريري).
فرض الحزب نفسه لاعباً سياسياً مؤثراً، من قلب المركز، خصوصاً بعد العام 2018. ثقله الانتخابي في العاصمة، حدّد حيثيته، فضلاً عن التوسع الديموغرافي الشيعي في قلب العاصمة. انتقل من الأطراف، الى المركز، جغرافياً وسياسياً، وفَرَضَ إيقاعه الديموغرافي على ديناميات التغيير في المركز، فأحبَطَ حراك 17 تشرين 2019 بانسحاب مناصريه من وسط بيروت (إضافة إلى مواكب الدراجات النارية التي حمل ركّابها العصي والحجارة واعتدوا على المعتصمين).
لكن هذا الواقع، تغيّر في العهد الرئاسي الجديد، وتبدّلت الديناميات الاقليمية والدولية في التعامل مع الملف اللبناني. هذه التغيرات، قابلها الحزب بخطة تحوّل يعمل عليها، لتعزيز اندماجه داخل النظام السياسي، وتثبيت وجوده في المركز، السياسي والجغرافي. فإضاءة الصخرة بصورتَي نصرالله وصفي الدين، يثبت الحزب عبرها رغبته في حجز مكانه الواضح في قلب بيروت، وليس فقط على أطرافها في الضاحية. يكافح محاولات تثبيت حدوده الرمزية السابقة، بعد مسيرة 25 عاماً من الانتقال التدريجي إلى المركز، سِلماً وعدوانية. يخرج من “الهامش” الجغرافي والسياسي، بنقل إثنين من أبرز أيقوناته، الى أبرز المعالم الثقافية والتاريخية.
أما بالنسبة إلى خصومه، فإن إبقاءه في الأطراف يصعّب عليه نَيل الحيز السياسي، وشرعية الاندماج. لكنهم اصطدموا بردود جمهور الحزب، الذين نشروا أرقام الأصوات الانتخابية في الاستحقاق السابق، والتي تظهر الهوّة بين نواب الحزب، والنواب المعارضين لإضاءة صخرة الروشة بصور رمزَين أثيرَين للحزب، وذلك في محاولة لمجادلة منطق الشرعية الشعبية في العاصمة، في مقابل البُعد السياسي. ويتفاقم النقاش، في انتظار ما ستفضي اليه النقاشات داخل الأروقة الحكومية حول إعطاء الإذن للحزب، أو منع الفعالية.



