سياسة

ستة عشر عامًا لإلغاء السجن.. هل تعيده مادة واحدة إلى قانون الإعلام؟

حسين خليفة

أخيرًا، وبعد مسار تجاوز ستة عشر عامًا من النقاش بين اللجان النيابية والجهات الإعلامية والحقوقية، يصل اقتراح قانون الإعلام إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، في جلستها التشريعية المقررة اليوم وغدا. قبعدما أقرته اللجان المشتركة في تموز الماضي، بات النص على بعد تصويت واحد من أن يحل محل منظومة قانونية تعود في جانب أساسي منها إلى قانون المطبوعات الصادر عام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع لعام 1994.

يقوم التحول الأبرز في الاقتراح على إخراج معظم قضايا النشر من المنطق الجزائي إلى المسؤولية المدنية. فلا تتحرك الدعوى العامة لمجرد محتوى منشور في قضايا القدح والذم وسواها من النزاعات المرتبطة بالسمعة والضرر، ولا يخضع الصحافي أو من يمارس حقه في التعبير للتوقيف الاحتياطي أو التحقيق الأمني بسبب هذا المحتوى وحده. ويضيف النص حماية لمصادر الصحافيين، وقواعد أكثر وضوحًا لشفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها، وإطارًا أكثر استقلالًا لتنظيم القطاع.
لكن القانون الذي يقوم أحد أهم إنجازاته على إخراج النشر من دائرة العقوبة الجزائية يحمل في المادة 104 استثناءً يعيدها. فالفقرة “ب” تعاقب من يتعمد اختلاق معلومات مضللة ونشر أخبار كاذبة وخبيثة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، إلى جانب غرامة أو بإحدى العقوبتين. فهل يتعلق الأمر بضمانة ضيقة لمواجهة الاختلاق المتعمد، أم بمدخل واسع يكفي لإعادة التجريم من الباب الذي حاول القانون إغلاقه؟
 
من الجريمة إلى الضرر
لم تكن المشكلة في القوانين الإعلامية القائمة مقتصرة على قدمها قياسًا إلى التحولات التي شهدها القطاع. فالمسار الجزائي الذي حكم جانبًا أساسيًا من قضايا النشر جعل النزاع حول محتوى صحافي قابلًا لأن يتحول إلى ملاحقة واستدعاء وتحقيق وتوقيف، في وقت اتجهت فيه المعايير الحديثة إلى التعامل مع الضرر الذي يسببه النشر باعتباره، في الأصل، نزاعًا بين طرفين يُعالج بالتعويض والتصحيح عندما تثبت المسؤولية.
من هنا تأتي أهمية التحول الذي يحمله الاقتراح. فالمتضرر من منشور لا يفقد حقه في التقاضي، لكنه يصبح مطالبًا باللجوء إلى القضاء المدني وإثبات وقوع خطأ وضرر فعلي وعلاقة سببية بينهما. بهذا المعنى، لا يمنح القانون الصحافي حصانة من المسؤولية، وإنما يغير طبيعتها، بحيث يصبح السؤال مقدار الضرر وكيفية جبره، لا ما إذا كان التعبير يستدعي تدخل النيابة العامة وعقوبة سالبة للحرية.
يتسع الإصلاح أيضًا إلى قضايا تراكمت خارج القوانين القديمة، من حماية سرية المصادر إلى تنظيم الإعلام الرقمي وشفافية الملكية والتمويل واستقلال الجهة الناظمة. لذلك لا تبدو المادة 104 تفصيلًا معزولًا داخل نص تقني طويل، لأن أهميتها تُقاس بما تخالفه من فلسفة المشروع نفسه. فكلما كان الانتقال من الجزائي إلى المدني أكثر وضوحًا في بقية القانون، أصبح الاستثناء الذي يعيد الحبس أكثر حاجة إلى تعريف وضبط.
الاستثناء الذي يعيد السؤال القديم
لإبقاء الاستثناء حجة يمكن فهمها من داخل النقاش التشريعي نفسه. فنائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، الذي تولى جانبًا أساسيًا من متابعة القانون، شدد بعد إقراره في اللجان المشتركة على ضرورة حماية حرية الإعلاميين، لكنه ميّز بينهم وبين من “يقوم بالافتراءات ويختلق أخبارًا كاذبة”. بهذا المنطق، لا يُراد من إلغاء الحبس أن يتحول إلى حصانة للاختلاق المتعمد أو استخدام صفة الإعلام لإثارة الفتن والإضرار بالآخرين.
المشكلة تبدأ عند الانتقال من هذا الهدف إلى صياغة الجريمة نفسها. فالنص لا يضع تعريفًا دقيقًا لـ”المعلومات المضللة” أو “الأخبار الكاذبة” أو وصفها بأنها “خبيثة”، ولا يرسم حدودًا واضحة تفصل الخطأ الصحافي أو التحليل أو الرأي أو المعلومة الناقصة عن الاختلاق الذي يستوجب العقوبة الجزائية. وبغياب هذه الحدود، تنتقل مهمة تفسير المفاهيم إلى النيابات العامة والقضاة عند تقديم الشكاوى، فتعود المؤسسات نفسها التي أراد القانون الحد من تدخلها في قضايا النشر إلى قلب النزاع متى أُعطي المحتوى توصيف “المعلومة المضللة”.
لهذا يتركز اعتراض المنظمات المعنية بحرية الصحافة على الفقرة نفسها أكثر مما يستهدف القانون بكامله. فالاعتراض لا يقوم على إنكار حق الدولة في تجريم التحريض المباشر أو الأفعال التي تسبب ضررًا محددًا، وإنما على إنشاء جريمة واسعة تستند إلى أوصاف يصعب ضبطها مسبقًا. ومن هنا أيضًا تأتي الدعوة إلى حذف الفقرة أو إعادة صياغتها بصورة تربط أي استثناء جزائي بضرر واضح ومحدد، بدل جعل عدم صحة المعلومة في ذاته مدخلًا إلى الملاحقة والحبس.
أي قانون سيخرج من المجلس؟
لا تختصر المسألة بمواجهة بين حرية الإعلام ومكافحة الأخبار الكاذبة، وإنما بنوع المسؤولية التي يريد القانون تكريسها وحدود الاستثناء منها. فالإبقاء على المادة 104 بصيغتها الواسعة يعني أن قانونًا أمضى سنوات في إخراج نزاعات النشر من المجال الجزائي سيحتفظ بباب يمكن أن يعيدها إليه، فيما سيحدد تعديل هذه الفقرة أو حذفها ما إذا كان الانتقال إلى المسؤولية المدنية قد اكتمل فعلًا أم بقي منقوصًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى