
في منطقةٍ أنهكها الانقسام الطائفي، وغرقت في الدماء والخيانة، لا تزال هناك قصة واحدة ترفض أن تُنسى قصة كربلاء. لقرونٍ طويلة، رُويت هذه القصة من خلال الدموع والمآتم، واستُحضرت في قلوب ملايين الشيعة حول العالم. لكن آن الأوان أن نعيد سردها لا كذكرى طائفية، بل كـدعوة إنسانية خالدة للوقوف في وجه الظلم. إنها دعوة تخصّ كل مظلوم، وكل من صمت صوته، وكل من تُرك في الهامش.
– الرجل الذي قال “لا”
في العام 680 ميلادي، وقف الحسين بن علي على أرض كربلاء في وجه طاغية يُدعى يزيد. لم يكن يسعى إلى سلطة. لم يخطط للغزو. كان يجيب على سؤالٍ بسيطٍ خالد: هل تحيا راكعًا، أم تموت واقفًا؟
اختار الحسين الموت لا كهزيمة، بل ككرامة. محاصرًا، متروكًا، وخائنًا من الأقرباء، رفض أن يُذل. ووقف إلى جانبه رجال ونساء، شباب وشيوخ، عرب وغير عرب، مسلمون ومسيحيون. كتبوا بدمائهم رسالةً أبديةً لكل زمان ومكان.
كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء
هذه العبارة ليست مجرّد شعار، إنها منهج حياة.
من طرابلس إلى غزة، من كشمير إلى بغداد، ومن مخيّمات اليمن إلى شوارع فلسطين، كل أرض يُمارَس فيها القهر والاضطهاد هي كربلاء.
لكن ورغم الجوع والقصف والتهميش لا تزال هناك أصوات تقول: “لا”.
حزب الله في لبنان، يرفض الخضوع للضغوط الصهيونية.
المقاومة في العراق وسوريا، تقف في وجه الإرهاب والتدخّل الأجنبي.
الحوثيون في اليمن، يصمدون رغم الحصار والمجاعة.
وحتى الأصوات الحرة في السودان وغزة، ترفض أن تُمحى.
هذه ليست حركات شيعية فقط بل هي حركات كربلائية.
– كربلاء كعقيدة… تتجاوز المذهب
ماذا لو لم نعد نروي كربلاء فقط بالرايات السوداء والمجالس الحزينة؟
ماذا لو أصبحت عقيدة سياسية وأخلاقية وروحية يتبنّاها:
السنة، الذين يحبّون الحسين ويكرهون الظلم كما كرهه.
المسيحيون، الذين يرون في الحسين صورةً للمسيح في وجه بيلاطس.
العلمانيون والناشطون، الذين يقاومون دون شعارات دينية.
شباب الأحياء المهمّشة، الذين يرفضون الموت صامتين.
في كربلاء، لا مكان للطائفية.
الانقسام الوحيد هو بين الحق والباطل، العدل والطغيان.
– لماذا ترتعد الإمبراطوريات من كربلاء؟
لأن كربلاء تُعلّم الشعوب أن:
الكرامة أهم من الحياة.
المقاومة عبادة.
النصر لا يُقاس بالبقاء، بل بالوقوف في وجه الظلم.
وحين يُؤمن شعبٌ ما كما آمن الحسين بأن الدم يهزم السيف، يصبح غير قابل للهزيمة.
– مقاومة جديدة… كربلاء بلا حدود
حان الوقت لنبني مقاومة لا تُعرَّف بالرايات أو الدول أو الطوائف، بل بالقيم:
العدالة بدل الفساد.
الوحدة بدل الانقسام.
المقاومة بدل الخضوع.
الذاكرة بدل المحو.
فلنصنع من كربلاء منبرًا لكل مظلوم.
ولنجعل موقف الحسين موقفًا لنا جميعًا — سواء كنا شيعة أو سنة أو مسيحيين أو علمانيين.
في الختام
نعيش اليوم زمنًا يرتدي فيه “يزيد” ربطة عنق، يدير حكومات، يقصف بطائرات مسيّرة، ويتحكم بالإعلام.
لكن كربلاء لا تزال حيّة — في كل سجن، في كل مخيم، في كل إنسان يختار الكرامة على الخنوع.
فلنقلها بوضوح:
كربلاء ليست مذهبًا… بل موقف.
وفي هذا الموقف، كلّنا حسين.



