
في خطوة غير مسبوقة منذ عام 2005، يستعد مجلس الوزراء اللبناني لعقد جلسة يوم غدٍ تتصدّر جدول أعمالها بنود حساسة ، على رأسها البند المتعلّق بسحب سلاح المقاومة. خطوة أثارت زوبعة من المواقف المتباينة، وفتحت الباب على أسئلة مشروعة حول التوقيت، والنية، والتداعيات، خاصة في ظل الخروقات اليومية التي تستهدف السيادة اللبنانية برا و بحرا و جوا .
البند الملغوم: استحقاق داخلي أم ضغوط خارجية؟
بحسب مصادر مطلعة، فإن إدراج هذا البند على جدول الأعمال لم يأتِ من فراغ، بل في سياق ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، تصاعدت وتيرتها مع وصول المبعوث الأميركي توماس براك إلى بيروت، وما يحمله في حقيبته من أجندة معلنة هدفها الأساسي تفكيك معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، واستكمال ما عجزت عن تحقيقه الضغوط العسكرية والاقتصادية سابقًا.
هذا التطور يضع الحكومة اللبنانية أمام مفترق خطير، إذ إن أي مقاربة لهذا الملف خارج التوافق الوطني الشامل، قد تعيد البلاد إلى مربّع الانقسام العمودي، وتفتح الباب على سيناريوهات غير محسوبة، في لحظة إقليمية محفوفة بالمخاطر.
رئيس الحكومة نواف سلام: بين الأجندة الدولية وضرورات التوازن الداخلي
من جهة أخرى، فإن رئيس الحكومة نواف سلام يجد نفسه في موقع دقيق للغاية. ويُنظر إلى موافقته على إدراج هذا البند في جدول الأعمال، سواء مباشرة أو بالصمت، على أنه تجاوب مع الضغوط الغربية المتصاعدة، لا سيما الأميركية، الداعية إلى إعادة النظر في وضعية حزب الله العسكرية.
إلا أن أوساطًا حكومية تشير إلى أن الرئيس سلام يدرك أيضًا خطورة الاصطدام مع مكونات أساسية في الداخل اللبناني، وتحديدًا الثنائي الشيعي، في لحظة لا تحتمل المغامرات. لذلك ، غدًا يكشف عن مدى قدرته على إدارة التناقض بين التطلعات الدولية من جهة، ومتطلبات الاستقرار الداخلي من جهة أخرى.
الرئيس بري والمقاومة: موقف ثابت لا يتزحزح
في هذا السياق، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي رفض مسبقًا إدخال بند كهذا إلى النقاش الحكومي دون إجماع وطني، معتبرًا أن سلاح المقاومة ليس بندًا إداريًا، بل قضية سيادية كبرى ترتبط بتوازن الردع الوطني، ولا تُناقش من منطلق سياسي ضيق، بل ضمن استراتيجية دفاعية متكاملة.
أما حزب الله، فقد عبّر بوضوح عبر مصادره عن رفضه القاطع لأي نقاش حول نزع السلاح في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي اليومي على جنوب لبنان، معتبرًا أن هذا السلاح هو الذي يحمي لبنان وقراره المستقل، وهو جزء من معادلة الردع التي أرستها المقاومة بعد عام 2006.
ويشير مقرّبون من الثنائي الشيعي إلى أن طرح هذا البند “في هذا التوقيت بالذات ليس بريئًا، بل يبدو محاولة لتفجير الاستقرار الداخلي عبر إذكاء خلاف سياسي قد يتحوّل إلى انقسام وطني واسع”.
الرئاسة على المحك: توازن صعب بين السيادة والاستقرار:
رئيس الجمهورية بحجم العماد جوزيف عون يدرك بدقة حساسية التوازنات اللبنانية، ويعرف أن أي خطوة غير مدروسة تجاه سلاح المقاومة، قد تكون لها ارتدادات خطيرة على الأمن الوطني، وعلى دور الجيش نفسه في إدارة العلاقة بين الدولة والمقاومة.
لذلك ، ما زال يحتفظ بمسافة استراتيجية من مختلف القوى، أمام اختبار دقيق في التوفيق بين منطق الدولة، ومنطق الضرورة الوطنية، خصوصًا في ظل اشتداد التهديدات الإسرائيلية، وتصاعد الخطاب الفتنوي داخليًا وخارجيًا.
ختامًا: لحظة وطنية لا تُقارب بالعنتريات
إن طرح بند نزع السلاح في هذا الظرف الحرج لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يفتح الباب أمام اصطفافات خطيرة. المطلوب اليوم ليس التصعيد بل نقاش وطني مسؤول في إطار استراتيجية دفاعية واضحة، تحمي لبنان من العدوان، وتحفظ كرامة الدولة، وتحترم تضحيات من قاتل ودافع عن هذا الوطن.
وفي النهاية، لا بد من التذكير أن لبنان الذي انتصر بالمقاومة، لا يمكن أن يُهزم بمنطق التفكيك الذاتي.



