
في مشهد الشرق الأوسط المتقلب، وبين خطابات “الممانعة” و”الاعتدال”، تتكرر عبارة تختصر كثيرًا من الجدل: “الشيعة حيث تخلّى الآخرون.”
هذه الجملة تلخّص إشكالية عميقة في العلاقة بين الطوائف، والمواقف من القضايا الكبرى، وفي طليعتها فلسطين. ففي لبنان وإيران، حمل الشيعة راية قضايا انسحب منها الآخرون، وعلى رأسهم السنة، فوجدوا أنفسهم في قلب الفراغ… ثم في قلب الاتهام.
– لبنان: مقاومة لا شريك لها
منذ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، تقهقرت معظم القوى اللبنانية:
القوى السنية تراجعت نحو الدولة، والإعمار، والسياسة الاقتصادية، خصوصًا بعد اتفاق الطائف وصعود رفيق الحريري.
القوى المسيحية دخلت في عزلة سياسية بعد الحرب، وقد تورّط بعضها في تعاون مع إسرائيل في مراحل مختلفة.
الوحيد الذي تقدّم نحو المقاومة، مستغلًا الفراغ، كان الشيعي المهمَّش سابقًا.
حزب الله، بدعم إيراني مباشر، وبقاعدة شعبية تعبت من الاحتلال، حمل لواء “المقاومة” مع حركة أمل، واستمر حتى تحرير 2000، وحرب 2006، وما بعدها.
لكن بدل أن تُشكّل هذه التجربة نموذجًا وطنيًا جامعًا، ووجهًا مشرّفًا للبنان، تحوّلت إلى عبء سياسي نتيجة تخلي الآخرين، لا فقط عن المقاومة، بل عن الشراكة.
– فلسطين: من قضية العرب إلى “مشكلة الشيعة”
في المفارقة التاريخية الكبرى، أصبحت قضية فلسطين، وهي قضية سنية عربية أولاً، وذات قدسية مسيحية أيضًا (أرض المسيح)، عبئًا شيعيًا في المحور الإيراني.
السُنّة في لبنان والعالم العربي انسحبوا سياسيًا، ثم عقائديًا، من مشروع المقاومة.
المسيحيون ركزوا على الحياد، والخوف من السلاح الفلسطيني.
وحدهم الشيعة، الذين لا تربطهم بفلسطين قدسية خاصة، تصدّروا المشهد، لكنهم وجدوا أنفسهم يتعرضون للتشكيك في “نياتهم” و”ولاءاتهم”.
هكذا، تحوّلت “المقاومة” من حق مشروع إلى اتهام سياسي:
هل يفعلها حزب الله من أجل فلسطين؟ أم من أجل إيران؟
هل تمسك إيران بورقة القدس أم بورقة النفوذ؟
الأسئلة لا تنتهي، لكن السبب الأساس واضح:
الفراغ الذي تركه الآخرون، ملأه الشيعة وحدهم.
-إيران: حيث خذلتهم الأمة
في ثورة 1979، رفعت إيران شعار “نصرة المستضعفين”، و”القدس أولًا”، وأصبحت تتبنى خطابًا عروبيًا إسلاميًا يقترب من قلب الأمة.
لكن العرب، وخاصة الأنظمة السنية، نظرت إلى الثورة كخطر طائفي لا مشروع تحرري.
فتحوّل الخطاب الإيراني من جامع إلى خاص، ومن إسلامي إلى “شيعي”، رغم أن جذوره كانت أوسع.
لم يُترك لإيران أن تكون “دولة دعم” خارج التصنيفات الطائفية، بل أُجبرت على التموضع في الهوية الشيعية، فقط لأنها لم تجد شريكًا عربيًا حقيقيًا في القضية.
– الإشكالية: من تعبئة الفراغ إلى التفرّد
وهنا نصل إلى جوهر المأزق:
لم يبدأ الشيعة في لبنان أو إيران من منطلق الهيمنة.
بل بدأوا حيث تراجع الآخرون، من فلسطين إلى الجنوب اللبناني، من المقاومة إلى المعنى.
لكن ما إن ملأوا الفراغ، حتى تحوّلوا إلى خطر وجودي بنظر الآخرين.
فبدل أن يُنظر لحزب الله كقوة مقاومة حررت الجنوب، بات يُتهم بأنه “جيش إيراني”.
وبدل أن يُقرأ دعم إيران لفلسطين كرافعة، يُقرأ كمشروع “شيعي توسعي”.
– هل اللوم على من دخل الفراغ، أم من تركه؟
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس:
“لماذا هيمنت إيران؟” أو “لماذا تفرّد الشيعة؟”
بل السؤال هو:
لماذا ترك العرب، والسُنّة تحديدًا، هذا الفراغ أصلًا؟
إن “مشكلة الشيعة” في لبنان وإيران، هي أنهم كانوا الوحيدين الحاضرين في معركة الكرامة حين غاب الآخرون.
والمفارقة أنهم يُحاسبون اليوم، لا على أفعالهم، بل على غياب غيرهم.



