سياسة
المسيحيون في لبنان بين خيارات المصير ومخاطر التطرّف: بين جعجع وجوزيف عون
١١ تموز ٢٠٢٥ غنى شريف

بين جوزاف عون وسمير جعجع …
مازالت معراب تعيش هاجس حلم الرئاسة
في ظلّ تغيرات لبنان السياسية، وتآكل المؤسسات، وتصاعد التهديدات الأمنية على الحدود والمحيط، يجد المسيحيون في لبنان أنفسهم اليوم أمام مفترق طرق خطير. فموازين القوى تتبدل، والتحالفات تتغير، والأخطار لم تعد نظرية بل باتت ملموسة من الحدود اللبنانية السورية، إلى الجنوب اللبناني. أما الداخل فمفتوح على فتنة قد تنفجر في أي لحظة، ما لم يكن هناك وعي مسيحي جماعي يضع مصلحة الوجود فوق مصلحة الزعامة.
خطر الجولاني والتكفيريين: هل يشكّل النظام السوري الجديد مصدر حماية؟
سوريا بعد سقوط بشار الاسد باتت تحت سيطرة تنظيمات متشددة على رأسها هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني ، هذه الجماعات التكفيرية تُصدر فتاوى تُكفّر المسيحيين، وتعتبرهم “مشركين وملحدين” يجب قتالهم، ما يضع أي رهان على حماية أو استقرار قادم من تلك الجهات في خانة الانتحار السياسي والأمني.
لذلك، فإن أي وهم لدى بعض الأطراف أو المكوّنات اللبنانية بأن ما يسمى “النظام الجديد” في سوريا يمكن أن يحمي الأقليات، أو يشكل حائط صد بوجه داعش أو إسرائيل، هو خيار عبثي وخطير. فالجولاني ليس حامي أحد، بل مشروع إبادة فكرية ووجودية لكل ما يختلف عنه طائفيًا أو فكريًا، والمسيحيون في صُلب هذا العداء.
بين جوزيف عون وسمير جعجع: من يمثل المسيحيين؟
بعد انتخاب العماد جوزيف عون ، رئيساً للجمهورية اللبنانية، باتت الخريطة المسيحية أمام مشهد جديد. الرجل، المعروف بانضباطه العسكري، وابتعاده عن زواريب الطائفية، وبقائه على مسافة من الجميع خلال قيادته للجيش، يشكل اليوم نموذجاً وطنياً جامعاً يحظى باحترام معظم اللبنانيين، بمن فيهم كثير من المسيحيين الذين سئموا خطابات الحرب والتصعيد.
في المقابل، لا يزال سمير جعجع يتبنى خطاباً عالي النبرة، يهاجم فيه حزب الله من جهة، ولا يتورع عن صدامات مع شخصيات سنيّة ومسيحية على حد سواء. خصومته مع العماد جوزيف عون تعمقت بعد انتخاب الأخير رئيساً، خاصة بعدما فشل جعجع في فرض نفسه كمرشح قوي أو كضامن للمسيحيين.
الخصام بين الرجلين ليس شخصياً فقط، بل يحمل أبعاداً استراتيجية: فجعجع يعتبر نفسه الوريث السياسي للمسيحيين “السياديين”، في حين يمثل جوزيف عون التيار المسيحي الهادئ، الوطني، الذي يفضل بناء الدولة على الشعارات.
هل يواجه الشارع المسيحي جعجع؟
الجواب يزداد وضوحاً. الشارع المسيحي، وخاصة الفئات الشابة والمستقلة، بات أكثر وعياً. هناك قناعة تنمو بأن خطاب جعجع، المتوتر دائماً، يشكل تهديداً على الاستقرار المسيحي، لأنه قد يجر لبنان إلى حرب داخلية، ليس مع الشيعة فقط، بل مع السنة أيضاً، الذين لا ينسون دوره في تهميش زعيمهم سعد الحريري، ما أدى إلى غضب سعودي واضح عليه.
المسيحيون اليوم أمام خيار مصيري: إما الاصطفاف وراء مشروع الدولة كما يمثله جوزيف عون، أو الاستمرار في لعبة المواجهات التي قد تنتهي بتحطيم ما تبقى من الوجود المسيحي الحر في لبنان.
الانتخابات القادمة: مفاجآت مسيحية؟
هناك مؤشرات أن الشارع المسيحي قد يُحدث مفاجآت كبيرة في الانتخابات النيابية المقبلة، فمعظم المسيحيين باتوا يرفضون الخطاب التحريضي، ويدركون أن اللعب بأمن الوجود المسيحي لا يقل خطورة عن أي تهديد خارجي. هم يعرفون جيداً أن العدو الإسرائيلي لا يفرّق بين مسلم ومسيحي، كما أن خطر داعش والجماعات التكفيرية لا يرحم أحداً.
ولهذا، فإن الشارع المسيحي قد يعيد ترتيب أولوياته، ويمنح ثقته لمن يعبّر فعلاً عن قلقه على المصير، لا لمن يستثمر بهذا القلق سياسياً.
خاتمة
المسيحيون في لبنان اليوم ليسوا مجرد متفرجين على المسرح السياسي، بل فاعلون أساسيون في تحديد اتجاه الدولة. عليهم أن يختاروا بين منطق الدولة أو منطق الزعامة، بين مشروع الوحدة أو مشاريع التفجير الداخلي. فالمرحلة المقبلة لا ترحم، والخطر على الجميع، لكن وعي المسيحيين قد يكون صمّام الأمان الأخير للبنان المتعدد والحر.



