
هل تذكرون حين كان الأذان يوحّدنا؟ حين كان صوت التكبير في الشام والقدس وبغداد والقاهرة يوقظ فينا عزة الأمة وكرامتها؟ أين ذهبت تلك اللحظة التي كنا فيها أمة واحدة، جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟ اليوم، لا نرى سوى جسدٍ ممزق، وأرواحًا متنافرة، وقلوبًا متحجرة، وكأننا لم نعرف يومًا معنى كلمة “أمة”.
أيها العرب، أيها المسلمون، لقد خذلتم الله. نعم، خذلتموه عندما انقلبتم على بعضكم البعض، وصرتم تنحرون إخوتكم لا أعداءكم. خذلتموه حين رفع كل منكم راية طائفته، قوميته، حزبه، وتركتم راية “لا إله إلا الله” تتآكل تحت غبار الجهل والحقد والكراهية.
لقد كنّا خير أمة أُخرجت للناس، فكيف تحوّلنا إلى أكثر الأمم تفرقًا؟ كيف أصبح كل فريق فينا يرى الآخر كافراً أو خائناً أو مستحقاً للدم؟ في لبنان، قاتلت الطوائف بعضها البعض وكأن لا عدوّ في الخارج. في سوريا، انقسم الناس إلى كردي يريد دولته، وسني يبحث عن نجاته، وعلويّ متشبث بسلطته، ومسيحيّ خائف على وجوده، بينما تحترق البلاد ويُباد الأبرياء. في العراق واليمن وليبيا والسودان، يتكرر المشهد نفسه، كأننا لا نتعلم، كأننا لا نرى.
لقد أصبحنا أدوات، لا فاعلين. أدوات في يد دول كبرى ترسم لنا مصائرنا وتحركنا كيف تشاء، بينما نغرق نحن في مستنقعات الدم والدمار. لقد خسرنا أوطاننا، لا لأن العدو أقوى، بل لأننا تخلينا عن وحدتنا، عن وعينا، عن ديننا الحقيقي.
والدين ليس صلاة وصومًا فقط، بل هو أخلاق، وعدل، ورحمة، وموقف. الله لا يُرضيه أن نملأ المساجد ونُفرغ قلوبنا من المحبة والعدل. لا يُرضيه أن نقتل بعضنا البعض ونقول “الله أكبر”. كيف يكون الله أكبر ونحن نُصغر أنفسنا حتى أصبحنا أقزامًا في مواجهة التاريخ؟
أيها العرب، أيها المسلمون، عودوا إلى رشدكم. راجعوا أنفسكم قبل أن تبكوا على أوطان لا تعود، وشعوب لا تقوم، وأجيال لن تغفر. لستم عاجزين، لكنكم نسيتم أن الله لا ينصر من يُقسم صفه، ولا يبارك من يخون أخاه.
وها أنتم اليوم، تندبون وتبكون، ولكن البكاء لا يعيد وطنًا، ولا يوقف حربًا. ما يعيد كل شيء، هو أن نتذكر أننا خذلنا الله… وأننا وحدنا القادرون على التوبة.



