سياسة

بعد عودة ترامب إلى الشرق الأوسط: هل يستفيد لبنان من فرصة السلام؟

في لحظة سياسية فارقة للمنطقة، عاد الحديث عن “شرق أوسط جديد” بعد الإعلان عن اتفاق التهدئة في غزة وزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، حيث ألقى خطابًا وُصف بأنه “الأكثر جرأة منذ اتفاقات أبراهام”. غير أن لبنان، المتأرجح بين أزماته الداخلية وتوتراته الحدودية، يجد نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: هل يشكّل هذا الاتفاق الدولي بداية فرصة للسلام والاستقرار، أم تمهيدًا لمرحلة ضغط أميركي – إسرائيلي جديد تستهدفه مباشرة؟

الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة ومصر وقطر وبدعم من الأمم المتحدة، أنهى جولة دامية من المواجهات بين إسرائيل وحركة حماس. وقد تضمّن وقفًا شاملاً لإطلاق النار، تبادلًا للأسرى، وفتحًا تدريجيًا لمعابر غزة أمام المساعدات الإنسانية، مع تعهّد الأطراف بالالتزام بخارطة طريق للتهدئة الدائمة. ورغم الترحيب الدولي الواسع، فإن الاتفاق يبقى هشًّا وقابلًا للاهتزاز في أي لحظة، خصوصًا مع تصاعد الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن مستقبل القطاع، واستمرار المواقف المتصلّبة من قوى اليمين المتطرّف.

أما لبنان، الذي كان في مرمى النيران خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، فيتابع بقلق ما قد يترتب عن هذه التهدئة. فالجبهة الجنوبية التي شهدت اشتباكات متقطعة بين “حزب الله” وإسرائيل، تتحوّل اليوم إلى محور رئيسي في أي تسوية إقليمية. والعيون تتجه نحو بيروت لمعرفة ما إذا كان لبنان سينضم إلى مسار الاستقرار أم يبقى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.

في هذا السياق، جاءت زيارة ترامب إلى المنطقة لتُعيد لبنان إلى قلب المشهد. ففي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي، وصف الرئيس الأميركي الاتفاق على غزة بأنه “فجر تاريخي لشرق أوسط جديد”، معلنًا أن “الحرب انتهت، وحان وقت السلام الحقيقي”. وأضاف:

“لبنان بلد عظيم، لكنه يحتاج إلى تحرير إرادته من الميليشيات المسلحة. الرئيس جوزاف عون أظهر شجاعةً نادرة في السعي نحو دولة سيّدة تمتلك قرارها، ونحن سندعمه بالكامل في هذه المهمة.”

كما دعا ترامب إلى “تفكيك شامل لكل المجموعات المسلّحة في لبنان”، معتبرًا أن “خنجر حزب الله قد كُسر سياسيًا وعسكريًا”. هذه التصريحات أحدثت ردود فعل متباينة في الداخل اللبناني، بين من اعتبرها دعمًا لمسار الدولة، ومن رأى فيها محاولة أميركية جديدة لوضع لبنان تحت وصاية سياسية واقتصادية.

في المقابل، عبّر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن تمسكه الكامل بالقرار 1701 وبسيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، مؤكدًا أنّ “الجيش هو الضامن الوحيد للأمن الوطني”. وأشار في بيان رئاسي إلى أن “لبنان يريد تطبيق التهدئة على حدوده الجنوبية، شرط أن تشمل التزامًا إسرائيليًا بوقف الاعتداءات الجوية والبحرية”.

أما الحكومة اللبنانية، فأكدت في اجتماعها الأخير أنّ “السلام لا يكون على حساب الكرامة الوطنية”، مشدّدة على أنّ أي حوار داخلي حول مستقبل السلاح يجب أن يتم “بالتوازي مع إصلاح اقتصادي شامل وإعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم”.

اقتصاديًا، تُظهر المؤشرات حجم الكارثة التي يعيشها لبنان. فقد قدّر البنك الدولي كلفة الأضرار التي خلّفتها المواجهات الأخيرة في الجنوب اللبناني بأكثر من 4.5 مليارات دولار، شملت تدمير البنية التحتية، المدارس، والمنازل، فيما بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 80 ألف شخص. كما تراجع الناتج المحلي بنسبة 8% في عام 2024، واستمرت الليرة اللبنانية في الهبوط إلى مستويات غير مسبوقة.

هذه الأرقام جعلت من إعادة الإعمار تحديًا يفوق قدرة الدولة المنهارة، ما دفع بعض الدول الأوروبية إلى طرح مبادرات لتمويل مشاريع محددة بشرط ربطها بخطة إصلاحية حقيقية، تشمل مكافحة الفساد وتفعيل القضاء واستقلالية مصرف لبنان.

لكنّ تصريحات ترامب اليوم ربطت الدعم الأميركي والدولي للبنان بوضوح بملف السلاح غير الشرعي. فواشنطن، بحسب مصادر دبلوماسية، تسعى إلى “صفقة إقليمية” تضمن هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل مقابل تفكيك المجموعات المسلّحة في لبنان وغزة، وإدماجها تدريجيًا ضمن أطر الدولة الشرعية. هذه الرؤية قد تضع بيروت أمام اختبار دقيق: فإما أن تواكب المسار الدولي بموقف وطني موحّد، أو تجد نفسها أمام عزلة مالية وضغوط سياسية غير مسبوقة.

على المستوى الداخلي، لا يزال الانقسام السياسي حادًا. فالقوى السيادية تعتبر تصريحات ترامب فرصة لدعم مشروع الدولة وإعادة بسط سلطتها، فيما ترى قوى المقاومة أنها “تدخل سافر في الشأن اللبناني” يهدف إلى تقويض قدرة لبنان على الدفاع عن نفسه. وفي خضمّ هذا التجاذب، يبرز دور الرئيس جوزاف عون كوسيط متوازن بين منطق الدولة ومنطق الواقعية الإقليمية، محاولًا الحفاظ على وحدة الموقف الوطني دون التفريط بالسيادة أو الأمن.

دبلوماسيًا، أعادت زيارة ترامب تسليط الضوء على الدور الفرنسي والقطري والمصري في لبنان، إذ يُرتقب عقد اجتماع ثلاثي خلال الأسابيع المقبلة لبحث آلية دعم لبنان ضمن حزمة إعادة الإعمار الإقليمي، بالتوازي مع دعوة أوروبية لعقد مؤتمر في بروكسل مطلع 2026 مخصّص لدعم الجنوب اللبناني.

وسط هذه التحوّلات، تبدو أمام لبنان فرصة نادرة للانتقال من مرحلة الانهيار إلى مسار التعافي، شرط أن يُحسن إدارة اللحظة السياسية وأن يوظّف الضغط الدولي لمصلحة بناء مؤسسات قوية. المطلوب اليوم ليس مواجهة الخارج، بل مواجهة الذات، من خلال إصلاح النظام المالي والإداري، وتعزيز الشفافية، وتحرير الاقتصاد من الزبائنية والفساد.

إنّ ما بعد اتفاق غزة وزيارة ترامب ليس مجرد حدث عابر، بل محطة مفصلية في تاريخ المنطقة. فلبنان يقف اليوم أمام خيارين واضحين: إما أن يكون جزءًا من مشهد الاستقرار المقبل، أو أن يبقى رهينة لعبة المحاور التي أرهقته لعقود. الطريق شاقة، لكنّ الفرصة قائمة — بشرط أن يتوحّد القرار الوطني حول رؤية واحدة: دولة قوية، سيّدة، متصالحة مع نفسها ومع محيطها.

ويبقى السؤال المفتوح: هل ينجح لبنان أخيرًا في تحويل ضغط الخارج إلى رافعةٍ للإنقاذ، أم يضيع مجددًا بين الوعود والاصطفافات، تاركًا تاريخه يُعاد كتابته بأقلام الآخرين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى