
أنا أكتب هذه الكلمات ليس كغريب، وليس كناقد من الخارج، بل كعربي. كمسلم. كشخص عاش ما يقارب أربعين عامًا في الغرب، في بريطانيا ورأى بعينيه وبقلبه المثقل بالحزن حقيقة يخاف الكثيرون من قولها علنًا:
القيم التي تربيت عليها ،الكرامة، الشرف، الصدق، الرحمة، الشجاعة كلها وجدتها هنا، في الغرب. ولم أجدها في العالم العربي الذي كنت أنتمي إليه.
أقول هذا بمرارة، لأنني تربيت على يد والدين غرسا في داخلي المثل النبيلة لديننا وثقافتنا. علّموني أن أقف مع المظلوم، وأن أقول الحق، وأن أعيش بتواضع وعزة. لكن عندما أنظر اليوم إلى حال العالم العربي و إلى ما أصبح عليه شعبنا وأولوياتنا وصوتنا العام، لم أعد أتعرف على القيم التي نشأت عليها.
في الغرب وجدت الضمير الذي كنت أتوقعه في وطني
عندما قُصِفَت غزة، وعندما غُزِيَ العراق، وعندما دُمِّرَت ليبيا، لم تكن العواصم العربية هي التي امتلأت بالمتظاهرين. بل كانت لندن، وبرلين، وباريس، ونيويورك.
عندما تنزف فلسطين، ويُغتال دبلوماسيون إيرانيون، ويموت الأطفال تحت الحصار، لم تكن الرياض أو دبي هي التي انتفضت، بل كان الطلاب في الجامعات البريطانية، والمتقاعدون في أوروبا، والأمهات والفنانون، والكتّاب، ورجال الدين و معظمهم ليسوا عربًا ولا مسلمين و هم من خرجوا إلى الشوارع وقالوا: كفى.
هؤلاء الناس لا يملكون مصلحة في قضايانا. لا يشاركوننا ديننا، ولا لغتنا، ولا تاريخنا. لكن لديهم شيئًا يبدو أننا فقدناه: الضمير. الشجاعة. الإنسانية.
ماذا حدث لنا؟
لماذا لا نرى الجماهير في الشوارع العربية عندما تُقصف دولٌ إسلامية إلا في أماكن قليلة مثل اليمنى و لبنان، أو إيران، أو العراق أو من تبقّى ممن يعرفون معنى التضامن؟
لماذا، في دول الخليج، حيث المال يفيض، يكون الصمت أعلى من أي صوت؟ سيارات الرولز رويس، والفيراري، وحقائب المصممين، لقد استبدلنا عزتنا بعلامات تجارية. غيرنا لباسنا، ولغتنا، وقيمنا. تشبهنا بالغرب في الشكل، لكننا تركنا القيم الحقيقية للغرب: الديمقراطية، والاحتجاج، والمساءلة الأخلاقية، والشجاعة للوقوف مع المظلوم.
طاردنا صورة الغرب، ونسينا جوهره.
لحظة هزّتني
منذ بداية الحرب على غزة وحتى اليوم، وأنا أتابع وأتأمل. وشيء واحد أصبح واضحًا بلا شك: العالم العربي لم يفقد فقط صوته، بل فقد إحساسه.
ما صدمني حقًا لم يكن فقط الدعم الغربي لفلسطين وهو دعم مذهل، بل غياب حتى أبسط رد الفعل العاطفي من كثير من أبناء العالم العربي.
عندما ردّت إيران، كدولة مسلمة، وأخيرًا قامت بعمل عسكري ضد إسرائيل بعد سنوات من الاعتداءات والاحتلال، قلت في نفسي: أخيرًا. توقعت أن أرى الشعوب العربية تفرح، تقف، تعبّر عن بعض الفرح أو الارتياح ليس حبًا في الحرب، بل لأن العدالة بدأت تُسمع.
رأى الإسرائيليون شيئًا لم يروه من قبل، لكنهم أجبَروا العالم كله على رؤيته في بلادنا منذ أكثر من سبعين عامًا. ومع ذلك، بينما كان الغربيون يُظهرون تعاطفهم وتضامنهم، بقي كثير من العرب في صمت. أو الأسوأ، تجاهلوا ما يحدث.
ذلك الصمت هو ما هزّني أكثر من أي شيء.
لم نفقد ثقافتنا فقط بل إنسانيتنا أيضا
هذا لا يُكتب ككراهية للغرب. على العكس، لقد رأيت هنا من الإنسانية أكثر مما رأيت في كثير من بلادنا. رأيت أشخاصًا يقاتلون من أجل قضايا لا تخصهم. رأيتهم يبكون على أطفالنا، يتبرعون للاجئينا، يقفون في المظاهرات من أجل كرامتنا.
وأسأل نفسي: أين تلك النار في قلوبنا؟ أين شجاعة العالم العربي والإسلامي التي كانت تقف شامخة؟ أين الأمة التي كانت تشعر بألم طفل واحد كما لو أن الجسد كله يتألم؟
لقد استبدلنا هويتنا بالراحة. واستبدلنا صوتنا بالصمت. وواجبنا بالتشتت.
كلمة أخيرة: هذه ليست إدانة، بل نداء
هذا لا يُكتب للإهانة، بل للتذكير. لنقول ما يفكر فيه الكثيرون، لكن يخافون من النطق به.
إذا لم نستيقظ الآن إذا لم نعد إلى قيمنا، وديننا، وكرامتنا فلن نخسر فلسطين فقط. بل سنخسر أنفسنا.
لأن المأساة الحقيقية ليست فقط في مناطق الحرب، بل في القلوب التي لم تعد تشعر بها.



