سياسة

النساء ذوات الإعاقة في سوق العمل: إقصاء مقصود

ناهلة سلامة و هشام حطيط

“عندما تقدّمتُ لفرصة عمل، رُفضت بسبب إعاقتي”، هذه العبارة ليست مجرد تجربة شخصية عابرة، بل تعكس نمطًا متكرّرًا من العنف البنيوي والتمييز الذي يواجه النساء ذوات الإعاقة في لبنان، في ظل مجتمع ما زال ينظر إلى الاختلاف بوصفه عائقًا بدلًا من أن يراه تنوّعًا. إنّ قصص النساء مع فرص العمل ليست محصورة بقدراتهن أو مؤهلاتهن العلمية، بل تتأثر بالصور النمطية التي تحاصرهن، وبضعف سياسات الدمج، وبغياب أماكن عمل مهيّأة تراعي احتياجات الجميع.

ويزداد هذا التهميش وطأة لأن النساء ذوات الإعاقة يواجهن شكلًا من التمييز المزدوج، كما تختلف التجارب بين النساء ذوات الإعاقة وفق عوامل أخرى مثل الطبقة الاجتماعية، والمكان الجغرافي، والوضع الأسري، فمثلًا: النساء في الريف يواجهن صعوبة أكبر بسبب النقل؛ المعيلات أكثر هشاشة اقتصاديًا، ما يجعل بعض الفئات أكثر عرضة للإقصاء من غيرها ومن جهة أخرى، هنّ عرضة للتحيّزات الاجتماعية القائمة ضد النساء عمومًا، التي تحدّ من مشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، يواجهن نظرة استبعادية إضافية مرتبطة بإعاقتهن، ما يجعلهن في موقع أكثر هشاشة ويحدّ من فرص اندماجهن المتكافئ في سوق العمل والحياة العامة.

عندما تقدّمتُ لفرصة عمل، رُفضت بسبب إعاقتي

كما أنّ الفرص المتاحة للنساء ذوات الإعاقة غالبًا لا تؤمّن لهن دخلًا مناسبًا، إذ يتعرضن للتمييز في الأجور وعدم تأمين حماية اقتصادية لهن من قِبل الدولة ولأنّ الفرص المتاحة أمامهن في الأصل ذات دخل منخفض.

في هذا السياق، تروي نور (34 عامًا)، وهي امرأة لديها إعاقة حركية (خلل في التوازن)، قصتها “أنا درستُ علم النفس والمحاسبة، لكن الفرص المتاحة أمامي غالبًا لا تمتّ لمجال

دراستي. كنت أقبل بها كي لا أبقى بلا عمل. عملتُ في عدة مشاريع مؤقتة ضمن جمعيات، لكن العقود انتهت، كما عملتُ في المطبخ الدامج مع اتحاد المقعدين اللبنانيين لمدة عام، وعدتُ للعمل فيه خلال الصيف”

ورغم مثابرتها وخبرتها، تواجه نور عراقيل إضافية كلما حاولت دخول سوق العمل الخاص “عندما أحاول التقدّم إلى شركات خاصة، غالبًا ما يحاولون التهرّب بحجة عدم جهوزية المكان، أو يطلبون نساء لديهن خبرة طويلة ويقولون إن لا وقت لديهم لتعليمي. هذا بالنسبة إليّ نوع من الرفض المقنّع”.

وتضيف بمرارة “حتى وزارة الشؤون الاجتماعية لا تهتم لأمرنا ولا تؤمّن لنا فرص عمل مناسبة، ولا تساعدنا على التدريب أو التأهيل للدمج. فهي لا تقوم بدورها لحمايتنا، عدا عن العوائق الأخرى مثل صعوبة المواصلات، وعدم تجهيز الطرقات والأرصفة، أو بُعد مراكز العمل قياسًا بالدخل المنخفض الذي نتقاضاه. كلّها مشكلات إضافية نواجهها نحن النساء ذوات الإعاقة”.

وتختم حديثها “ما أحاول تذكير نفسي به دائمًا أنني أستطيع تحقيق طموحي رغم كل العوائق في هذا البلد، وأردّد هذا لجميع النساء من حولي”.

تجربة نور ليست فقط انعكاسًا للتمييز ضد الأشخاص ذوي/ات الإعاقة، بل أيضًا جزء من منظومة أبوية أوسع ترى النساء عمومًا كعبء اقتصادي واجتماعي، ويتضاعف هذا التهميش عندما تكون المرأة ذات إعاقة.

واقع سوق العمل في لبنان للنساء ذوات الإعاقة

وهذا الواقع توضحه سيلفانا اللقيس رئيسة إتحاد المقعدين في لبنان في حديث خاص إذ تشير “إلى أنّ موضوع فتح فرص عمل للأشخاص ذوي الإعاقة لم يُؤخذ بجدّية في لبنان، خصوصًا بالنسبة للنساء. فمنذ عام 2002 بدأ الاتحاد بالعمل على هذا الملف، وكانت الخطوة الأولى مواجهة الصورة النمطية التي تفترض أنّ الأشخاص ذوي/ات الإعاقة غير قادرين على العمل، أو أنّ تجهيز أماكن العمل لاستقبالهم يكلّف الكثير. ولتحقيق ذلك، ركّز الاتحاد على التوعية والتغيير الثقافي، إضافة إلى السعي لإقرار «الكوتا» التي تلزم المؤسسات بتخصيص نسبة من الوظائف للأشخاص ذوي/ات الإعاقة.

وتضيف ” أنّ التحدي الأكبر بقي مع الدولة التي لم تطبّق القانون بجدّية. على سبيل المثال، ينصّ القانون على أنّ الشركات لا تحصل على براءة ذمة من الضمان الاجتماعي إلا بعد توظيف 3% من الأشخاص ذوي/ات الإعاقة. لكن هذه الآلية لم تُطبق بسبب غياب التنسيق بين وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية، ما اضطر الاتحاد لرفع دعاوى قضائية لإجبار الضمان على تنفيذ القانون”.

 

على الرغم من وجود قانون العمل الذي يتيح للنساء ذوات الإعاقة فرصًا متكافئة، إلا أنّ تطبيقه غالبًا ما يواجه بالتمييز من قِبل أصحاب العمل

التمييز ضد النساء ذوات الإعاقة

على الرغم من وجود قانون العمل الذي يتيح للنساء ذوات الإعاقة فرصًا متكافئة، إلا أنّ تطبيقه غالبًا ما يواجه بالتمييز من قِبل أصحاب العمل. هذا ما تعكسه تجربة ربيعة (37 عامًا)، التي لديها شلل دماغي، تواجه البطالة رغم محاولاتها المستمرة لإيجاد عمل، كونها المعيلة الوحيدة لوالدتها ولا مصدر دخل ثابت للعائلة. تقول ربيعة “تعلمتُ عدة مهن منها صناعة الصابون والمحاسبة وأشغال القش، وانتقلت بين مؤسسات مختلفة خلال السنوات الماضية، لكنني لم أستطع ضمان الاستمرارية بسبب ضعف الدخل وعدم تأمين المواصلات. في إحدى المؤسسات التي عملتُ بها كنت أتقاضى ثلاثمئة ألف ليرة قبل انهيار العملة، ثم عملتُ في المطبخ، إذ لم يتجاوز عدد أيام العمل عشرة أيام شهريًا، لكن الأجر لا يكفيني أيضًا لتغطية مصاريفي وأجرة المواصلات من مكان سكني. فاضطررتُ إلى التوقف عن العمل، وأنا اليوم ما زلت أحاول إيجاد فرصة أفضل، لكن غالبًا ما يُرفض طلبي عندما يعلمون أن لدي إعاقة. غير أن المشكلة الأكبر تكمن في عدم تجهيز أماكن العمل، ما جعل تنقلي داخل مكان العمل نفسه صعبًا للغاية”.

قصة ربيعة، مثل تجربة نور، تكشف حجم الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي، وهو ما تؤكد عليه سيلفانا اللقيس في مداخلتها حول سياسات الدمج والتمييز البنيوي.

 

النساء ذوات الإعاقة يعانين من تمييز مضاعف، كونهن نساء وذوات إعاقة في آن واحد

 

أبرز العوائق

تشير سيلفانا إلى ” أن أبرز العوائق التي لا تزال قائمة، حصر الأشخاص ذوي/ات الإعاقة في وظائف محددة، مثل توظيف المكفوفين كـ”سنتراليست” فقط، رغم توفر التكنولوجيا التي تمكّنهم من أداء مهام متنوعة. وتستشهد اللقيس بأمثلة عديدة مثل نيكول طعمة التي درست الإعلام لكنها وُظفت في وظيفة استقبال فقط بسبب إعاقتها البصرية، ما يعكس جهلًا واسعًا بقدرات هذه الفئة”.

وتختم “بأنّ النساء ذوات الإعاقة يعانين من تمييز مضاعف، كونهن نساء وذوات إعاقة في آن واحد. فإضافة إلى العراقيل البنيوية، يواجهن التحرش والاستغلال وعدم المساواة في الأجور، فضلًا عن تقييد فرص التعليم بسبب غياب المدارس والجامعات الدامجة”.

النساء ذوات الإعاقة في القانون

رغم أن القانون 220/2000 يضمن حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل، تكشف دراسة منظمة العمل الدولية (2023) أن مشاركتهن الاقتصادية ما زالت شبه غائبة: فقط 12.7% من النساء ذوات الإعاقة الشديدة منخرطات في سوق العمل مقابل 35.9%  من الرجال، ما يعكس فجوة جندرية عميقة. ومعظم من يتمكنّ من العمل ينحصرن في القطاع غير النظامي، حيث تغيب الحماية الاجتماعية ويُسجَّل انخفاض في الأجور يصل إلى 35%  مقارنة بغير ذوي الإعاقة، وتزداد الفجوة وضوحاً في القطاع الخاص النظامي. هذا التهميش يتفاقم بسبب غياب الترتيبات التيسيرية، صعوبة الوصول إلى وسائل النقل والمباني، والتمييز المزدوج القائم على النوع الاجتماعي والإعاقة، ما يجعل فرص العمل الكريم والمستدام للنساء ذوات الإعاقة في لبنان محدودة للغاية.

في المقابل، تنص اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي/ات الإعاقة، التي تكرّس في مادتها 27 حقّ ذوي/ات الإعاقة – ومن بينهم النساء – في العمل على قدم المساواة مع الآخرين. وتنص الاتفاقية على حظر التمييز في جميع مراحل العمل، وضمان ظروف عمل عادلة وآمنة، وتوفير “التهيئة المعقولة” داخل مكان العمل، إضافةً إلى دعم التدريب المهني، التوظيف، والعمل الحر، مع حماية من الاستغلال والتحرّش. وبذلك يصبح لبنان ملزماً بتعزيز وصول النساء ذوات الإعاقة إلى سوق العمل ومعالجة التمييز المزدوج القائم على الإعاقة والنوع الاجتماعي.

ادماج النساء في سوق العمل حق أساسي

هذه التجارب تكشف أنّ التحديات التي تواجه النساء ذوات الإعاقة ليست مجرّد صعوبات فردية، بل شكل من أشكال العنف البنيوي، وجزء من إهمال الدولة لحقوق مواطنيها. فكلما ازدادت النساء فقرًا وتفاقمت أوضاعهن الاجتماعية، ازداد في المقابل فقر الخدمات وضعف تطبيق القوانين. إن حق النساء في العمل هو حق أساسي وطبيعي، لكنّه في لبنان لا يُصان بقوة القانون ولا يحرك ضمير أصحاب العمل، ما يضاعف من هشاشة النساء ويكرّس التمييز ضدهن.

فالمطلوب اليوم أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها في تنظيم ظروف العمل وضمان تحسين الدخل للنساء ذوات الإعاقة، وتأمين بيئة مهيّأة تحترم حقوقهن وتراعي احتياجاتهن واجبار المؤسسات لتطبيق القانون. إن إدماج النساء في سوق العمل ليس مسألة خيرية أو استثنائية، بل حق أساسي وضرورة اقتصادية واجتماعية. فلبنان لا يستطيع أن يستغني عن طاقات النساء، وأي تمييز أو إقصاء ضد فئة واسعة منهن يعني خسارة مضاعفة للمجتمع بأسره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى