إقتصاد

مزارعو الجنوب يقطفون الخسارة لا الزيتون

نور فياض (لبنان الكبير )

تُعدّ شجرة الزيتون من الركائز الأساسية للقطاع الزراعي في الجنوب اللبناني، إذ يعتمد عليها أكثر من مئة ألف عائلة كمصدر رزق رئيسي، كما توفّر آلاف فرص العمل الموسمية في موسم القطاف والمعاصر. ولا يقتصر دورها على الداخل فحسب، بل تساهم أيضًا في تعزيز الصادرات اللبنانية من الزيت والزيتون إلى الخارج، خصوصًا لتلبية احتياجات اللبنانيين في دول الاغتراب.

ووفق دراسات لجمعيات زراعية متخصّصة، تشكّل بساتين الزيتون في الجنوب والبقاع الغربي نحو 28% من المساحات المزروعة بهذه الشجرة في لبنان، ما يجعلها عنصرًا حيويًا في الدورة الاقتصادية الوطنية.

لكنّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة ألحقت أضرارًا كبيرة بهذا القطاع، بعد استهداف الأراضي الزراعية عبر الجرف أو القصف بالقنابل، ناهيك عن سرقة العدو لأشجار الزيتون المعمّرة، ما أدّى إلى تدمير جزء واسع من الموسم ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم. وباتت عملية القطاف اليوم تخضع لإجراءات يفرضها العدو عبر قوات “اليونيفيل”، التي تطلب من البلديات تزويدها بلوائح تضم أسماء أصحاب الكروم وأرقام سياراتهم وجنسيات العمال، لتحديد مواعيد السماح لهم بالقطاف.

رئيس تجمع المزارعين في الجنوب، محمد الحسيني، يوضح عبر موقع “لبنان الكبير” أنّه “لم يتم التأكد فعليًا من صحة المعلومات حول طلب العدو أسماء أصحاب الكروم في المناطق الحدودية، لكن من المؤكد أنّ المزارع لا يستطيع الدخول إلى أرضه بحرية، إذ يتعرّض باستمرار للمضايقات، من إطلاق نار إلى رمي قنابل صوتية وغيرها”.

تُقدّر الخسائر هذا العام بأكثر من 70% من الإنتاج. وعن صحة هذه المعلومة، يشير الحسيني إلى أنّ “هذه النسبة تقريبية، لأنّ أسباب التراجع في الموسم متعددة، أبرزها أنّ فلاحة الزيتون ووضع الأسمدة تبدأ في شهري كانون الثاني وشباط، وفي تلك الفترة كان المزارعون عاجزين عن العمل بسبب وقف إطلاق النار، إلى جانب قلّة الأمطار هذا العام”.

ويتابع قائلًا: “مواسم الزيتون تختلف من سنة إلى أخرى، فمرة تكون وفيرة ومرة ضعيفة، وهذا الموسم يُعتبر من المواسم الضعيفة، على أمل أن يكون المقبل أفضل”.

أما عن تأثير الفوسفور الذي يُثير مخاوف بعض المزارعين، فيطمئن الحسيني إلى أنّ “الفوسفور لا يؤثر على الزراعة أو الثمرة، فهو مادة مشتعلة تزول تلقائيًا وتتحول لاحقًا إلى مركّبات مفيدة للتربة”.

تختلف نسبة الإنتاج بين القرى، بل حتى بين الحقول داخل القرية الواحدة. ورغم تطمينات الخبراء، يفضّل بعض المزارعين عدم جني محصولهم هذا العام خوفًا من التلوث أو الأمراض التي قد تكون أصابت الأشجار جرّاء القصف. ويقول أحد المزارعين: “هذه المنطقة تتعرّض دائمًا للاعتداءات، ولا أحد يعرف نوع المواد المستخدمة. أخشى أن يكون الزيتون ملوثًا، لذلك لن أقطف هذا الموسم”.

كلّما اقتربنا من المناطق الحدودية، تضاعفت الخسائر.

يقول المزارع هشام حسن من بلدة بليدا الحدودية: “نعيش تحت احتلال غير مباشر. العدو يطلب من البلديات أسماء المزارعين والعمّال وجنسياتهم وحتى نوع السيارة التي يستخدمونها، ونحن نذهب لتسجيل الأسماء في البلدية بانتظار الموافقة على القطاف، ومن يتخطّى هذه الإجراءات، أي من لم يسجّل اسمه، يتحمّل مسؤولية نفسه”.

ويتابع: “في بليدا، معظم الكروم تقع على الحدود الشرقية مع فلسطين المحتلة، ولا يمكن الوصول إليها إلا بعد صدور الموافقة. وأفضّل عدم الذهاب إليها قبل التأكد من أنّ الأرض خالية من الألغام”.

ويشير حسن إلى أنّ “الخسائر تتخطّى الـ70%، وأكثر من ألف شجرة زيتون معمّرة قُلعت أو حرقت أو حتى سُرقت. أما الأشجار الباقية فإنتاجها ضئيل لا يكفي حتى لتعبئة تنكة زيت واحدة. هذا الموسم الثالث على التوالي الذي يكون فيه الإنتاج معدومًا. وحدهم من يزرعون أشجارهم قرب منازلهم يقطفون القليل منها”.

ويضيف: “عدد سكان بليدا حاليًا لا يتجاوز 120 عائلة، لذلك يعمد كثيرون إلى إعطاء أراضيهم لسكان القرى المجاورة مثل عيترون لاستعمالها والاستفادة منها”، مؤكدًا أنّ “الخسائر لا تقتصر على الزيتون فقط، فجميع الزراعات غائبة، وحتى موسم التبغ، وهو أقرب موسم زراعي، لم يتمكّن الناس من تهيئة الأرض لزراعته”.

ويختم بالقول: “المزارعون المتضررون يسجّلون أسماءهم في استمارات وزارة الزراعة، لكن حتى الآن لم تُصرف أي تعويضات”.

اليوم، لا مزروعات ولا سكان، فالجنوب شبه خالٍ من كليهما. الاعتداءات المستمرة والعدو يهددان ما تبقّى من المواسم الزراعية، التي يمكن القول إنّها صُفّيت بالكامل إلى حين إعادة إعمار الجنوب وعودة الناس إلى أراضيهم. فهل يكون الموسم المقبل موسم الزراعة والحياة من جديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى