
التشخيص الوحيد الذي تؤكده الأدلة والصور والفيديوهات، بما لا يدع مجالا للشك، هو ان المبعوث الأميركي طوم براك، شخص أبله، عديم الثقافة والمسؤولية، محدود التفويض والتأثير، أُرسل في غفلة الى لبنان، لكي يتسلى باللبنانيين، ويزيدهم حيرة وتشوشاً، ويرفّه عنهم، بين الحين والآخر، بكلمات ليس لها أساس..وليس لها مصدر أو أثر، لا في البيت الأبيض ولا في وزارتي الخارجية والدفاع ووكالات الاستخبارات.
أما اللبنانيين الذين سُعِدوا بما قاله براك أخيراً عن الدولة اللبنانية الفاشلة والفاسدة، والمتهالكة أمام قوة حزب الله وأمواله، وهو كلام ردده جميع المبعوثين الأجانب الذين خدموا في لبنان منذ ثمانينات القرن الماضي من دون استثناء، وجاهروا به في كتاباتهم ودراساتهم ونصوصهم الوداعية. وهو يندرج في إرث دبلوماسي يرجع الى زمن “دولة القناصل” المتصرفية، الذي يقول الحقيقة عن لبنان، ويعمل عكسها، ويعبر عن محبة للبنانيين، ممزوجة بالكراهية والاحتقار، لتمسكهم بجذورهم وتقاليدهم ونزاعاتهم التي لا تبني دولة ولا تحمي حدوداً.
لكن براك لا يستحق ان يوضع في مرتبة السفراء والقناصل الكبار الذين مروا على لبنان. بلاهته فاقت الحدود، هذه المرة، ولم يعد مجرد عابر سبيل، تقطعت به الطرق التركي والسورية، ولم يحقق أي إنجاز يذكر في البلدين، لا سيما في مركز اهتمامه الأول، سوريا التي لا تزال كما تسلمها المبعوث الأميركي من أصدقائه الاتراك، دولة تبنى على ضفاف الفشل والفساد والعنف الأهلي، ويعيث حكامها الإسلاميين الجدد بسلطتها وامنها واقتصادها واجتماعها، وهي لا تتميز عن لبنان حتى بالوعود الخارجية التي تتلقاها وتبشرها بازدهار واستقرار..لا ينفيان ان الفيدراليات السورية، الكردية منها والدرزية والعلوية والمسيحية، هي قدر السوريين الوحيد في حقبة ما بعد الاسدية السوداء، وهي الحقبة التي نصح براك مرة اللبنانيين بالالتحاق بها!
ثرثرات براك الأخيرة عن التفاوض اللبناني الإسرائيلي، والتي لا يمكن العثور عليها في أي من المواقف الرسمية الأميركية والإسرائيلية، تثير الشك في أن الرجل ليس عائداً الى لبنان، بل هو يوجه رسالة الوداع الى المسؤولين اللبنانيين، والى الجمهور اللبناني، ويحرره من أفكاره واقتراحاته وأحكامه النيرة..وتعزز مصداقية الفكرة القائلة ان إسرائيل التي لا تقدر المبعوث الاميركي ولا تؤيد مبادراته السورية والتركية، دفعته أخيراً نحو لبنان، لابلاغه دولته بالآتي: إما الحرب، وإما التفاوض المباشر. وكلا الخيارين حاصل، فالحرب مشتعلة من جانب واحد، والتفاوض يجري على قدم وساق، في اللجنة الخماسية، ولا ينقصه سوى الصور.. والاتصال الهاتفي الذي يريد براك للرئيس جوزف عون ان يجريه مع بنيامين نتنياهو شخصياً، لمعالجة “رواسب” الحرب!
حتى الآن، ليس هناك دليل على ان هذا الاستخدام الإسرائيلي الطارئ للمهارات الدبلوماسية لبراك، يستند الى مخطط جدي يقود الى السلام والتطبيع مع لبنان. الأرجح أن إسرائيل تستعين ب”كفاءة” المبعوث الأميركي، في تغطية حملتها العسكرية والأمنية المتصاعدة على لبنان. هي تريد معاهدة أمنية مع لبنان، لا تريدها خارج اللجنة الخماسية، لكنها مترددة، وتحتاج الى المزيد من الاختبارات الأمنية في سوريا خاصة..والتي لم ينجح براك في ضبطها، برغم ميوله السورية والتركية، التي لم تقنع الإسرائيليين أبداً بأنه لم يعد هناك تهريب لصواريخ حزب الله من سوريا الى لبنان.
لكن بلاهات براك اللبنانية، لا تعني بأي حال من الأحوال التعاطي معها باعتبارها مجرد كلام مرسل في الهواء من دبلوماسي خَرِف يدعو لبنان الى التفاوض قبل الأوان ومن دون معرفة المكاسب التي يمكن أن يطلبها او أن يحققها..والتي يفترض ان تسبق ذلك الاتصال الهاتفي الذي قد لا يلقى رداً من نتنياهو بالذات!



