سياسة

مبادرة عون: تفاوض برعاية دولية وآلية تضمن حصر السلاح وتحييده

وجَّهَ رئيسُ الجمهوريّة اللّبنانيّة  جوزاف عون، من جنوب لبنان، وتحديدًا من قيادة قطاع جنوب اللّيطاني في ثكنة بنوا بركات في صور، رسالةً مطوَّلة إلى اللّبنانيّين لمناسبة الذكرى الثانية والثمانين للاستقلال، أعلن فيها “بداية معركة استقلالٍ جديدٍ متجدِّد”، مؤكِّدًا أنّ “لا استقلالَ حقيقيًّا إلّا بتحرير وتعمير الجنوب وكلّ لبنان”، وأنّه “لا مجال لتحقيق أيّ خطوة على هذا الدرب إلّا عبر الدولة وحدَها وحصرًا، لا شريك لها في سيادتها ولا وصيّ عليها”.

تأكيد على دور الدولة واحتكار السلاح والقرار

شدّد الرئيس عون على أنّ درب الاستقلال “يبدأ من حضور الدولة، لا من غيابها، ومن سيادتها لا من ازدواجيّتها، ومن تحرير كلّ شبرٍ من أرض لبنان”، داعيًا إلى تكريس ثقافة الدولة في الوعي والسلوك، فقال إنّ المطلوب “ليس فقط حصر السلاح وقرار السلم والحرب، وهو أمرٌ ضروريٌّ وحتميّ، بل حصر ولاء اللبنانيّ بوطنه، وحصر انتمائه الدستوري والقانوني إلى دولته“.

وانتقد بشدّة مظاهر الاعتداء على المصلحة العامّة، مؤكِّدًا أنّه “لم يَعُد مقبولًا التَّغوُّل على الحقّ العام، ولا على المِلك العام، ولا على المال العام، ولا على الفضاء العام”، مضيفًا أنّ هذا الرفض “يسري على كلّ استثناء، وكلّ ذريعة، وعلى أيّ وهج قوّة أو فائضها، كما على أيّ ردّ فعلٍ على واقعٍ غير سليم“.

الاستقلال حقيقة حيّة وتحية للشهداء

ورأى عون أنّ الاستقلال “حقيقةٌ حيّة، لا صفحةً من الماضي”، لأنّ “رجالًا ونساءً من هذا الوطن بذلوا دماءهم من أجله فسقطوا شهداء على طريق طويل”، مبديًا أسفه لأنّ اللّبنانيّين “ينسون أحيانًا هذه التضحيات”. وتوقّف عند محطّات الاستقلال الأولى، فذكر “شهداء بشامون الذين دافعوا عن حكومة الاستقلال، وشهداء ساحة النجمة الذين دافعوا عن علم الاستقلال، وملائكة طرابلس الأربعة عشر الذين استُشهدوا متظاهرين من أجل الاستقلال”، مؤكِّدًا أنّهم “شهداء استقلال الثاني والعشرين من تشرين الثاني ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثة وأربعين، بما سبقه وتلاه من أحداث، ولهم منّا كلّ الوفاء وأعمق التقدير“.

وشدّد على أنّ الاستقلال لم يولد في يومٍ واحد، ولا يُبنى وطنٌ في سنةٍ واحدة، معتبرًا أنّ لبنان “حصيلة نضال قرونٍ من أجل الحرية”، قام به أفرادٌ وجماعات “تحت عنوانٍ واحد، هو السعي إلى الحرية، في منطقة تعاملت ولا تزال في كثير من الأحيان مع الحق بالقوّة ومع الحرية بالقمع“.

نقد للأداء السابق والوصايات والصراعات

وفي مراجعةٍ لمسار الدولة منذ الاستقلال الأوّل، أقرّ عون بأنّ اللّبنانيّين “أخطأوا في إدارة استقلالهم”، مشيرًا إلى أنّ العوامل الخارجيّة التي انفجرت حول لبنان “دفعتنا قبل خمسين عامًا إلى حروب مركّبة خرجنا منها باتفاق الطائف”، قبل أن يقع البلد مجدّدًا “تحت وصاية خارجية شوّهت هذا الاتفاق لأكثر من عقدٍ من الزمن“.

وأضاف أنّ لبنان، بعد زوال الاحتلال والوصاية، حظي بفرصة استقلالٍ جديد، “لكنّنا دخلنا مجدّدًا في صراعات المحاور الإقليمية، حول مَن يرث الوصاية علينا، ومن يمسك بورقة لبنان رصيدًا له في حسابات النفوذ الإقليميّ“.

ورأى رئيس الجمهورية أنّ المرحلة الراهنة “تشبه مرحلتي الاستقلالين الأوّل والثاني”، واصفًا إيّاها بأنّها “مرحلة مصيرية وسط زلزال من التطوّرات وانقلاب في موازين القوى من حولنا”، ما يفرض “تجديد استقلالنا على أسسٍ صلبةٍ وواضحة“.

رفض إنكار التحوّلات أو إلغاء أيّ مكوّن لبناني

توقّف عون عند ما سمّاه “حالتَي إنكارٍ متقابلتين” داخل الساحة اللبنانية، موضحًا أنّ فريقًا يتصرّف “وكأنّ شيئًا لم يتغيّر في لبنان ولا في المنطقة ولا في فلسطين ولا في سوريا ولا في العالم”، محذِّرًا من محاولة الاستمرار بـ”تشوّهاتٍ في مفهوم الدولة وسيادتها على أرضها منذ أربعين عامًا”. واعتبر أنّ هذا السلوك “مجافٍ للواقع وللإرادة اللبنانية أولًا، قبل مناقضته للظروف الإقليمية والدولية“.

وفي المقابل، أشار إلى انطباعٍ لدى فريقٍ آخر “بأنّ الزلزال الذي حصل قضى على جماعةٍ كاملة في لبنان، وكأنّ طائفة لبنانية برمّتها زالت أو اختفت من حسابات الوطن والميثاق والدولة”، مؤكِّدًا أنّ “هذه مكابرة أخرى، وحالة إنكار مقابلة لا تقلّ خطًا وخطرًا عن الأولى“.

وقال رئيس الجمهورية بلهجةٍ حاسمة “ليس صحيحًا ولا مقبولًا أن نتصرف وكأنّ جماعة لبنانية زالت أو اختفت أو هُزمت”، مضيفًا أنّ هؤلاء “لبنانيون، هم أهلُنا، أبناءُ الأرض، باقون معنا ونحن باقون معهم، ولا نقبل لهم ولا هم يقبلون إلّا العودة جميعًا إلى حضن الوطن، وتحت سقف الدولة الحصري الذي لا سقف سواه، بلا اجتهادات ولا استثناءات“.

وشدّد على أنّ الدولة، وهو شخصيًا كرئيسٍ لها، “تقف حيث تقتضي مصلحة الوطن وكلّ الشعب، لا مصلحة طرفٍ أو حزبٍ أو طائفة”، مؤكّدًا أنّ هذا النهج يجعله “في مرمى السهام من الطرفين”، إلّا أنّه شدّد على أنّه “لن يتزحزح ولن يتراجع”، لأنّ كل ما يحصل في لبنان وحوله “يؤكّد صوابية خيار بناء دولة لا دويلة، واستعادة ثقافة الدولة لا استنساخ التشوّهات والمنافع“.

إشارات إقليمية ودولية واستقرار مرتجى

ربط عون بين التطورات في لبنان وما يجري في المنطقة، فرأى أنّ “اتفاق غزة وإقراره في مجلس الأمن يؤكّدان صوابية القراءة التي قدّمناها”، متحدّثًا عن تطوّر العلاقات مع “سوريا الجديدة” في الاتجاه الصحيح “كعلاقة بين بلدين سيّدين ندّين“.

وفي الشأن الداخلي الأمني، أشاد بالدور الذي تؤدّيه “القوى المسلّحة اللبنانية، التي يوليه الدستور شرف قيادتها العليا”، مؤكّدًا أنّها تقوم بمهامها الوطنيّة “في كلّ لبنان، وخصوصًا في الجنوب، بشهادة البيانات الرسمية للجنة الخماسية المسؤولة عن تنفيذ اتفاق تشرين الثاني ألفين وأربعة وعشرين”، رغم “كلّ التطاول وبعض الغيوم العابرة“.

وأشار إلى أنّ اللبنانيّين “زرعوا على هذه الأرض بالذات شهداء أبرارًا لتطبيق اتفاق وقف الاعتداءات”، مذكّرًا بأنّ لبنان “التزم به حرفيًا ومن طرفٍ واحد“.

وفي الاقتصاد، تحدّث الرئيس عن “تعافٍ اقتصاديٍّ مثبت بالأرقام لا بالأوهام”، معيدًا الفضل إلى “رعاية الجهات الحكومية المختصّة، وحاكميّة مصرف لبنان”، وهو ما يضع هذه الحاكميّة بدورها “في مرمى التجنّي من الذين لا يريدون دولة في لبنان” على حدّ تعبيره.

وأعلن أنّ اللّبنانيّين في الداخل والاغتراب “يتطلّعون إلى الدولة بعين الأمل والعزم”، كاشفًا عن حدثٍ وطنيٍّ استثنائيّ قريب يتمثّل في “استقبال قداسة البابا لاوون الرابع عشر، تحت عنوان طوبى لفاعلي السلام”، موضحًا أنّ اختيار هذا العنوان يعود إلى كون الشعب اللبناني “شعبًا يؤمن بالسلام ويسعى إليه”، في وقتٍ تتّجه فيه المنطقة نحو “مرحلةٍ من الاستقرار يتوجّب علينا أن نستعدّ لها جيّدًا“.

كما شدّد على أنّ لبنان حاضر “للشراكة الكاملة والفاعلة في إحياء سلامٍ قائم على الحقوق والعدالة، سلام فلسطين وشعب فلسطين”، سواء عبر “توسعة نطاق اتفاقات سابقة” أو توقيع أخرى جديدة، “كي لا نجد أنفسنا على قارعة الشرق، وكي لا يتحوّل بلدنا عملة تفاوض أو بدل تعويض في خارطة المنطقة الجديدة“.

مسار لبناني مستقل وحدودٌ آمنة ونهائية

أكّد عون أنّ “مسار الشأن اللبناني من بيروت حتى حدودنا الدولية نسيره وحدنا، بقرارنا الذاتي المستقل، وبدافع مصلحة لبنان ومصالح شعبه العليا دون سواها”، موضحًا أنّ ذلك يعني “انسحابًا إسرائيليًا من كل مترٍ مربّعٍ من أرضنا، وعودةً لأسرانا، وترتيبات حدودية نهائية تؤمّن استقرارًا ثابتًا ونهائيًا“.

أمّا “أي خطوةٍ أبعد من الحدود”، فأوضح أنّ لبنان سيسير فيها “بالتنسيق والتلازم مع الموقف العربي الجامع”، مشيرًا في هذا السياق إلى أنّ “القمة الأخيرة في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحمل مؤشرات مشجعة جدًا لانطلاق مسارٍ جديد”، مؤكّدًا أنّ لبنان “لن يتخلّف عن هذا المسار خطوة واحدة“.

مبادرة جنوبية جديدة لتسليم النقاط المحتلّة ودعم الجيش

وعن سبب إلقاء الرسالة من الجنوب، أوضح رئيس الجمهورية أنّه اختار “هذا المكان وهذه اللحظة” ليعلن “بموجب الضمير الوطني والمسؤولية عن بلدٍ وشعب”، مبادرةً متكاملةً برسم الداخل والخارج، تقوم على خمسة عناوين أساسية.

فقد أكّد أوّلًا “جهوزية الجيش اللبناني لتسلّم النقاط المحتلّة على حدودنا الجنوبية”، معلنًا استعداد الدولة اللبنانية “للتقدّم من اللجنة الخماسية فورًا بجدولٍ زمنيّ واضحٍ محدّد للتسلّم”، سواء تدريجيًا أو دفعةً واحدة.

ثانيًا، أعلن “استعداد القوى المسلّحة اللبنانية لتسلّم هذه النقاط فور وقف الخروقات والاعتداءات كافة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كلّ النقاط المحتلة“.

ثالثًا، شدّد على “تكليف اللجنة الخماسية التأكد، في منطقة جنوب الليطاني، من سيطرة القوى المسلّحة اللبنانية وحدها وبسط سلطتها بقواها الذاتيّة على كامل المنطقة المعنيّة“.

رابعًا، جدّد التأكيد أنّ “الدولة اللبنانية جاهزة للتفاوض، برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقفٍ نهائيّ للاعتداءات عبر الحدود“.

خامسًا، أوضح أنّ “الدول الشقيقة والصديقة للبنان تتولى، بالتزامن، رعاية هذا المسار عبر تحديد مواعيد واضحة ومؤكدة لآلية دولية لدعم الجيش اللبناني، والمساعدة في إعادة إعمار ما هدمته الحرب، بما يضمن ويسرّع تحقيق الهدف الوطني النهائي والثابت، بحصر كل سلاح خارج الدولة، وعلى كامل أراضيها، وتحييده نهائيًا“.

وقال عون إنّ هذه المبادرة “برسم كل العالم، وبرسم كل صديقٍ حريصٍ وصادقٍ في مساعدة لبنان، وفي استتباب الأمن والاستقرار على حدودنا وفي المنطقة”، مؤكّدًا “نحن جاهزون لها وملتزمون“.

في ختام رسالته، توجّه عون إلى اللّبنانيّين في الوطن والاغتراب قائلًا إنّهم “يكتبون اليوم فصلًا جديدًا في تاريخ لبنان، فصل يبدأ من الاستقلال ولا ينتهي إلّا بتحقيق السيادة الكاملة والعيش الكريم لكل اللبنانيين، وبناء دولة تحمي الحق وتكرّس العدالة“.

واعتبر أنّ لبنان يخوض “معركة الاستقلال الجديد المتجدد”، مؤكِّدًا أنّها “معركة جميع اللبنانيين”، ومعربًا عن يقينه “بأنّنا سننتصر فيها، من أجل أطفالكم، وأحلام من رحل، وآمال من صمد“.

وختم رئيس الجمهورية رسالته بالتشديد على أنّ المطلوب “أن نقف جميعًا متّحدين، مؤمنين بلبنان وبقدرته على أن يكون وطن الجميع بلا استثناء”، مؤكّدًا التمسّك بلبنان “وطنًا للحوار والحداثة والحرية والسماح والسلام”، كي “يرفرف علم لبنان عاليًا، ويظلّ أرزُه شامخًا رمزًا للصمود والوحدة”، مردِّدًا “عاشَ الحقُّ، عاشَ الاستقلالُ، عاشَ لبنانُ“.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى