سياسة

لقاء باراك- نتنياهو: لماذا الكتمان المُشدّد؟

أدهم مناصرة

تُجمع تحليلات إسرائيلية على أن تفاصيل ما بُحث في اللقاء المغلق بين المبعوث الأميركي توم باراك ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكثر بكثير من العناوين العامة التي نشرها الإعلام العبري والدولي.

 

غموض.. وكتمان!

وهذا ما أكده أيضاً صحافي أميركي يواظب على تغطية الأحداث الميدانية والسياسية في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، وكذلك اللقاءات التي تُعقد بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم الإسرائيليينوقال الصحافي لـ”المدن” إنه خلافاً لمرات سابقة، فإن اللقاء الأخير بين باراك ونتنياهو، شابه الغموض، ولم يتمكن من الحصول على أي معلومة أو تسريب لافت بشأن مضامين اللقاء، وهو ما يُظهر حرصَ البيت الأبيض ونتنياهو، على سرية النقاشات، والتحكم في المضامين المسموح بنقلها للإعلام بشكل “موجّه”، أي السماح بنشر أو تسريب ما تريده واشنطن وتل أبيب فقط، وبصيغة تبدو عامّة وبلا تفصيلات كبيرة.

فلماذا الحرص على كتمان المباحثات الاستباقية للقاء ترامب-نتنياهو المقرر في 29 كانون الأول/ديسمبر الحالي؟!

يشير محللون إسرائيليون إلى أن دوافع مرتبطة بطريقة تنفيذ الخطة الأميركية بشأن غزة والمنطقة، وكذلك مصالح أميركية وإسرائيلية، تقتضي المحافظة على سير المباحثات الأميركية-الإسرائيلية بعيداً عن الإعلام، خصوصاً أنها تعالج مقاربات سياسية وأمنية ترتكن على تكتيك الغموض والتضليل في آن، بما يشمل ملفات لبنان وسوريا وغزة وإيران، عدا أن ترامب يعتقد أن ثمة ارتباطا بين كل هذه الملفات، وبما يُضاف إليها التطبيع، وهي كلها مواضيع ستحضر بقوة في لقاء نتنياهو-ترامب المقرر نهاية الشهر الحالي.

 

خلاف.. واتفاق

ولعل ما يثير أهمية ما يُبحث إسرائيليّاً وأميركيّاً، هو أن الملفات سالفة الذكر لم تُحل عبر مبعوثين أميركيين توافدوا إلى إسرائيل في الأسابيع والأشهر الماضية، بل تطلبّت مُعالجتها ذهاب نتنياهو إلى الولايات المتحدة للمرة الخامسة خلال 11 شهرا لولاية ترامب الثانية، حيث سيلتقيان مرّتين خلال الزيارة الموعودة التي ستستغرق أسبوعًا، إلى جانب لقاءات ستجمع نتنياهو مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الدفاع بيت هيجسيث ومسؤولين آخرين.

مع ذلك، حاولت وسائل إعلام عبرية أن تُظهر نقاط اختلاف واتفاق أيضاً بين أميركا وإسرائيل، رغم تسريبات تواظب جهات أميركية رسمية على نشرها عبر المراسل الإسرائيلي لموقع “أكسيوس” باراك رافيد، والتي ادعت بوجود توتر بين ترامب ونتنياهو بخصوص الاغتيالات في غزة وساحات أخرى، وكذلك مجمل المقاربات الإسرائيلية، فيما رأى مراقبون أن هذه التسريبات عبر رافيد “دائما ما تتم لغايات مقصودة وموجّهة ومثيرة للحذر”.

 

مضمون لقاء باراك؟

ووسط الغموض، قال محرر الشؤون السياسية في هيئة البث العبرية شمعون آران، إنه علم من مصادر سياسية إسرائيلية، بأن لديها ارتياحا كبيرا من اللقاء مع باراك، مدعية أن الأخير “أبدى تفهمه لأنشطة إسرائيل العسكرية في غزة وساحات أخرى بالمنطقة؛ دفاعاً عن نفسها ومصالحها”. وزعم آران أيضًا، أن الطرفين توصلا إلى تفاهمات بشأن مواصلة تل أبيب ضرب أهداف في سوريا؛ لدرء “الخطر”، إضافة إلى استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق.

 

تأجيل الهجوم الواسع على لبنان؟

بيدَ أن تحليلات إسرائيلية أخرى، حاولت التفصيل أكثر بشأن ما بُحث، إذ قالت إن المبعوث الأميركي توم باراك أبرم تفاهمات شفوية مع إسرائيل، بخصوص ملفات غزة ولبنان وسوريا وإيران، وذلك في سياق التمهيد لاجتماع ترامب-نتنياهو. وأشارت أقلام عبرية، إلى أن التفاهمات تتمحور حول مطالبة واشنطن لتل أبيب، بعدم تنفيذ أي هجوم كبير على لبنان قبل أعياد الميلاد، وأن يُترك الأمر لما ستؤول إليه مباحثات ترمب- نتنياهو، وبما يتضمن تمديد المهلة الممنوحة للحكومة اللبنانية لحسم سلاح حزب الله، لكن مع استمرار الهجمات الإسرائيلية الحالية في العمق اللبناني، بحجة “تحييد قدرات حزب الله”.

 

سوريا: ضربات “مركّزة” و”منسّقة”

وبشأن سوريا، أفادت مواقع عبرية أن توم باراك شدد في حديثه مع نتنياهو، على أن تكون الضربات الإسرائيلية “مُوجّهة” و”مُركّزة” على أهداف “تضر بالأمن الإسرائيلي”، مع الامتناع عن أي استعراضات أو تكرار سيناريو ما جرى في قرية بيت جن جنوب سوريا؛ لتلافي تأجيج التوتر في المنطقة، وكذلك أن لا تضر الضربات بالنظام السوري الجديد والمصالح الأميركية في سوريا، إلى جانب طلب واشنطن التنسيق المعمّق والكافي معها من قبل إسرائيل، بخصوص أي “نشاط” عسكري بسوريا. كما نقل بارّاك رسالة إلى نتنياهو، مفادُها أن “تحقيق المصالح الأميركية يضمن مصالح إسرائيل أيضاً”، بحسب محللين إسرائيليين.

ولم تستثنِ مباحثات باراك في تل أبيب، طرح مقاربة مقترحة أميركياً؛ لتحقيق تقدم بالمفاوضات السورية-الإسرائيلية، وصولاً إلى الاتفاق الأمني المنشود، كما نقل صحافيون إسرائيليون عن مصادر سياسية.

 

قوة غزة الدولية

كما أشارت إفادات عبرية إلى أن لقاء بارّاك تزامن مع وصول رسائل من ترامب، بضرورة إبداء نتنياهو مرونة في بعض مواضيع غزة، خصوصا القوة الدولية التي ستعمل في المنطقة الصفراء بالقطاع، بموجب المرحلة التالية لاتفاق وقف إطلاق النار. وبينت تقارير عبرية أنّ ترامب يريد من نتنياهو أن يقبل بدور ما للسلطة الفلسطينية ضمن المرحلة الثانية، ولكن دون حكمها لغزة؛ باعتبار أن ذلك ستؤديه لجنة إدارية. وأوضحت تلك التقارير أن طلب ترامب جاء بعد اشتراط كثير من دول العالم حضور جسم رسمي فلسطيني متمثل بالسلطة، بشكل ما، حتى تتحمس في المشاركة بالقوة الدولية المطلوبة؛ وذلك لحرصها على أن تكون مشاركتها مُغطاة “قانونيا.. وسياسياً”، عدا عن مطالبة تلك الدول بإزالة الغموض بشأن الدور المنوط بتلك القوة.

في المحصلة، يبقى لقاء ترامب-نتنياهو وما سيليه، المقياسَ الحقيقي لجدية ما سُرّب بشأن التباينات، ومدى قدرة واشنطن على لجم عدوانية إسرائيل في غزة ولبنان والمنطقة برمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى