حين تتحوّل حرية التعبير إلى أداة إساءة: استهداف الرئاسة وهيبة الدولة

من نافل القول إن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ليس في حاجة إلى من يدافع عنه في مواجهة ما يتعرّض له من حملات هجومية ممنهجة ومدروسة، تقودها مجموعات من الجيوش الإلكترونية ومن يقف خلفها.
فالخلط بين حرية الإعلام وبين السباب والشتائم لم يعد مجرّد انزلاق مهني عابر، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى نهج مقصود لدى بعض المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي، يُستباح من خلاله التطاول على كل من لا ينسجم مع أهواء أو أجندات سياسية معيّنة.
إن الواقع القائم اليوم لم يعد يندرج في إطار حرية الرأي، بل بات أقرب إلى فلتانٍ إعلامي قد يصعب احتواء تداعياته على الاستقرار والأمن المجتمعي، إذا استمر هذا الانحدار دون ضوابط أو مساءلة.
فهناك فرق شاسع بين النقد الراقي ولغة السوق، وبين الاعتراض على موقف سياسي والتجريح الشخصي. وما يُمارَس بحق رئاسة الجمهورية لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الإساءة الشخصية والمسّ بالكرامة والهيبة، لا في إطار الانتقاد السياسي المشروع.
إن مناقشة مواقف رئيس الجمهورية، أو أي مسؤول، حقّ يكفله الدستور، والاعتراض على خياراته السياسية أمر طبيعي في أي نظام ديموقراطي. لكن تحويل هذا الحق إلى منبر للإهانة والتطاول والتهكّم الرخيص يشكّل خروجًا فاضحًا عن أبسط قواعد العمل الإعلامي، قبل أن يكون اعتداءً على القيم الأخلاقية. فالانتقاد يُقاس بصلابة الحجة لا بانحدار المفردات، وبالمنطق لا بالتحريض.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تستهدف، في جوهرها، مفهوم الدولة نفسه. فعندما يُكسر السقف الأخلاقي في التعاطي مع موقع الرئاسة، ويُسوَّق التطاول على أنه جرأة، يصبح الإعلام الافتراضي شريكًا في تقويض ما تبقّى من هيبة المؤسسات، لا رقيبًا عليها. وهذا الانحدار يخدم، عن قصد أو عن جهل، كل من لا يريد دولة قوية، ولا رئاسة وازنة، ولا مرجعية دستورية جامعة.
إن حرية الإعلام ليست منصة للانفلات، ولا مظلّة للفوضى اللفظية، ولا أداة لتصفية الحسابات السياسية. فهي إن لم تُحمَ بالمسؤولية واللياقة، تتحوّل من قيمة ديموقراطية إلى أداة هدم. أما الذين يظنّون أن كسر الصورة يرفع منسوب التأثير الإعلامي، فهم واهمون، لأن ما يُكسر فعليًا هو صدقية الخطاب، وما يُهدَر هو ما تبقّى من ثقة الناس بالإعلام نفسه.
فالتمسّك الحقيقي بحرية التعبير لا يكون بتشويهها، بل بحمايتها من الابتذال. والمعارضة الحقيقية لا تُقاس بحدّة الإهانات، بل بوضوح المشروع السياسي. وما عدا ذلك ليس انتقادًا ولا إعلامًا، بل فوضى مقنّعة بشعار الحرية، وهدمًا ممنهجًا لفكرة قيام الدولة القوية والقادرة، المدعوّة اليوم إلى حصر السلاح بيد قواها الشرعية وحدها.



