سياسة

ثلاثة أهداف إسرائيلية حيال لبنان: هدنة أو اتفاق أمني أو سلام

غادة حلاوي (المدن)

لا شيء يطمئن الثنائي. ربما تكون هذه المرحلة هي الأصعب والأسوأ على الإطلاق. العدوان يشتد في مقابل دبلوماسية باردة وعقيمة، وشعب بات عرضة للخوف والقلق. واقعٌ يستاء منه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بات يعتبر أن لجنة الميكانيزم، كما اللجنة الخماسية، لم يعد دورهما فاعلاً. واجتماعات الخماسية تشهد على كثيرٍ من الكلام بلا فعل، ومثلها أضحت الميكانيزم التي سافر رئيسها ورفعت اجتماعاتها إلى أجل غير مسمى.

بين الثنائي ورئيس الجمهورية عتبٌ تشهد عليه جدران المقرات، وخوفٌ ممنوعٌ أن يتسرّب إلى العلن. على وجه السرعة، أدار بري محركاته باتجاه رئيس الجمهورية جوزاف عون لقطع الطريق على أي خلاف مع حزب الله أو سجال في العلن. عبّر بري عن استيائه من استمرار العدوان ومن دور الميكانيزم، فيما صارحه عون بما يُطرح خلف الكواليس وما يصله من رسائل وضغوط. شمال الليطاني هو الامتحان الصعب.

يكتفي حزب الله في الوقت الراهن بموقف المراقب. جمّد عمله كمقاومة إفساحاً في المجال أمام دبلوماسية الدولة لطرد الاحتلال الإسرائيلي ووقف العدوان. ويعتبر أنه قدّم خطوات في إطار التجاوب مع مطلب حصرية السلاح بيد الدولة، تجاوب مع الجيش جنوب الليطاني، وجمّد عمله كمقاومة، والتزم عدم خرق اتفاق وقف النار. ومع ذلك، استمرت إسرائيل في عدوانها، وبدل خوض معركة المواجهة دبلوماسياً، كرت سبحة التنازلات تجاه إسرائيل المتفلتة من أي التزام، والتي اختارت مواصلة العدوان حتى الوصول إلى اتفاق أمني مع لبنان.

كل المعطيات المتوافرة تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاتجاه الأميركي ـ الإسرائيلي يميل إلى حل لجنة الميكانيزم بعد إخراج فرنسا واليونيفيل منها. وكان الهدف من تعطيل عملها تضييق الخناق على لبنان ورفع وتيرة العدوان الإسرائيلي المستمر لجره بالقوة إلى اتفاق مع إسرائيل. وكان يُراد لورقة توم باراك الأولى أن تشكّل الأرضية وباكورة البحث في الاتفاق المنشود.

لاحقاً، نجح اتفاق باريس الثلاثي في التأسيس لمسار معين بين لبنان وسوريا، بحيث تسقط تجربة الاتفاق الأمني مع إسرائيل على لبنان أيضاً. المطلوب أن يحذو لبنان حذو سوريا في اتفاقها الأمني مع إسرائيل. وكان الاعتقاد أن الوصول إلى اتفاق أمني مع سوريا سيكون أسهل من لبنان. 

وجهة نظر حزب الله تقول إن المسار التنازلي الذي فتحت أبوابه قرارات الحكومة عطّل ما كان يمكن أن يأخذه لبنان من إسرائيل لناحية الالتزام بمندرجات اتفاق وقف النار. فقد خلقت تنازلات الحكومة نوعاً من التمنّع الإسرائيلي، وبرّرت عدوانيتها، وبات المطلوب من لبنان تقديم المزيد من التنازلات تحت ضغط القصف والتهجير.

وإذا كان لبنان يعول على لجنة الميكانيزم المنبثقة عن اتفاق وقف النار، فإن تعطيل هذه اللجنة بات مطلباً سعت إليه إسرائيل والولايات المتحدة لتهيئة الأجواء لاعتبارها غير ذات جدوى، والانتقال إلى الحديث عن البدائل، ولا سيما أن الأميركي والإسرائيلي يتفقان أيضاً على إبعاد فرنسا واليونيفيل من عداد فريق عملها، ليبقى لبنان وحيداً، ما يفتح الباب أمام مسار من التنازلات اللبنانية والخضوع للضغوط، وصولاً إلى تفاوض مباشر لتحقيق أحد ثلاثة أهداف: إما اتفاق هدنة معدل، أو اتفاق أمني، أو اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.

الاتفاق مع إسرائيل غير ممكن

يدرك الأميركي أن الوصول إلى اتفاق سلام مع لبنان خارج الإجماع العربي غير ممكن. وثمة من يرى أن ما يبحث عنه الطرفان هو اتفاق لا يحقق للبنان سيادته، حتى لو نجح في حصر السلاح على كامل أراضيه. فهذا الاتفاق يمنح الإسرائيلي حرية الحركة، ويسمح له بتنفيذ مشاريعه الاقتصادية على الحدود، ويعطّل عودة قسم كبير من أهالي القرى الحدودية، فيما يُعدّ اتفاق هدنة معدَّل الحد الأدنى الممكن القبول به.

وفي ظل ما يتناقله البعض عن أجواء تفيد بأن لبنان يتعرض لضغوط كبيرة غير قادر على تحمّلها، ومعطوفاً على ما يشهده الإقليم من تطورات، يخشى حزب الله أن يصبح مبرّراً، بالنسبة إلى السلطة ولقسم من اللبنانيين، الذهاب إلى التعاون المباشر أو الاتفاق مع إسرائيل، رهناً بضرب إيران بما يسهّل عملية حصر السلاح شمال الليطاني.

يتجنّب حزب الله الدخول في سجال مباشر مع عون، رغم تحفّظه على حديثيه في المقابلة وأمام السلك العسكري. ويعتقد في قرارة نفسه أن ما كان مطروحاً بالنسبة إلى عون في السنة الأولى من عهده لم يعد مطروحاً في السنة الثانية، إذ يعتبر عون نفسه في حلّ من أي اتفاق مع حزب الله أو التوافق معه، في ظل تغيّر موازين القوى التي تشهدها المنطقة.

نقطة أخرى يتخوّف منها حزب الله تتصل بما يردده سفير الولايات المتحدة في لبنان من أن عون لم يقم بالمهمة المطلوبة منه، وكان يمكن أن يقوم بالأفضل. فهل تكون هذه المواقف مؤشراً إلى تعديل تعاطيه مع حزب الله تمهيداً لتغيير نهجه استجابةً للضغوط الأميركية على العهد؟ أم أن الضغط الأميركي انعكس على خطاب عون ومواقفه، بحيث أدلى بمواقف غير مسبوقة، تختلف عن النمط والمقاربة اللذين سادا في العام الأول من عهده. وهذه المقاربة الجديدة فتحت الباب أمام نوع من الجفاء بات يسود العلاقة بين حزب الله وعون.

الزوبعة التي عصفت بالعلاقة، التزم حزب الله الصمت حيالها. واكتفى بالاستفسار عن بُعد حول أبعاد مواقف عون، فيما كان بري يدير محركات وساطته لوأد الخلاف في مهده. ويؤكد حزب الله، بالرغم من تحفّظه على عبارات قيلت، عدم وجود أي اتجاه نحو التصعيد، لا عبر الحكومة ولا في أي مسار آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى