الدولة العميقة تدمّر التعليم الرسمي وتستبيح وزارة التربية

بررت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي قرار الإبقاء على “أربعة أيام تدريس” أسبوعياً بالأسباب الاقتصادية، المتعلقة بالموازنة التي كانت أقرت على هذا الأساس. وتستمر السنة المالية حتى نهاية العام الجاري. بالتالي ليس ممكناً الإنفاق على خمسة أيام أسبوعياً، علماً أن نصف العام الدراسي سيتبع موازنة العام 2025 وليس 2026. ولن تستطيع الحكومة تلبية الحاجات المالية من رواتب وأجور أو بدلات نقل وتشغيل.
تناقض في الرؤية والعمل
يظهر جلياً التناقض بين رؤية وزيرة التربية ومنهجيتها والقرارات النهائية التي تصدر عن الوزارة. فهي تسعى بكل الطرق إلى تعويض الفاقد التعليمي بزيادة أيام التدريس. إلا أن القرار النهائي أتى ليعيد العام الدراسي إلى 72 يوم تدريس فعلي، كما في السنوات السابقة. فقرار “أربعة أيام تدريس” لم يكن تربوياً على الإطلاق، بل هو قرار سياسي/مالي، من دون أي مبادرة أو سعي من الحكومة، ولاسيما من وزارة المال، لتأمين انتظام عام دراسي كامل.
هذا التراجع لم يكن الأول من نوعه. فالسلطة العميقة تتعمد عرقلة أي مجهود أو محاولة من وزارة التربية والتعليم العالي لاستعادة انتظام العام الدراسي والحد من تراجع الجودة في التعليم الرسمي. وفي كل مرة تواجه قرارات الوزيرة الإصلاحية بسلسلة اعتراضات وتهديدات نقابية وحزبية وحملات تحريض تنتهي بالتراجع عنها، بعد زيارة رموز أو حماة الدولة العميقة لها. وهذا ما حصل في امتحانات البكالوريا ونتائجها “الممتازة” في ظل الحرب غير المسبوقة على لبنان. والدولة العميقة عينها منعت تشكيل مجالس تحكيمية لمقاضاة المدارس الخاصة، وتتغاضى عن رقابة المدارس الخاصة التي صارت تستقبل 78% من التلامذة.
هل منعت الوزيرة؟
هل مُنعت الوزيرة من أي محاولة إصلاح أو التدخل في القطاع الخاص، كما منعت من إعادة توزيع المدارس الرسمية في مدينة بيروت ودمج بعضها، ومنعت من إجراء تقويم أو إحالة مشاريع كبرى إلى ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، ومنعت من محاسبة أي موظف إداري أو استبدال موظف بالتكليف بآخر أصيل، وغيره؟
هل الدولة العميقة تدير توجهات وزارة التربية الكبرى للإبقاء على الوضع المتردي في المدارس الرسمية؟ بل أكثر من ذلك تسعى الدولة العميقة إلى تعزيز التعليم الخاص الطائفي والحزبي المملوك والموجه من أركان الدولة العميقة على حساب التعليم الرسمي الذي تسعى إلى تدميره. والأرقام تشير بوضوح إلى تراجع الملتحقين بالتعليم الرسمي إلى 22% في العام 2024-2025 وتراجع المنتسبين إلى الجامعة اللبنانية والمعاهد المهنية بنسب تراوح بين 25% و 30% بين 2021 و 2023.
الدولة العميقة ترسم سياسة تربوية موازية تعرقل أي محاولة إصلاح جوهرية، وهي متشعبة كأخطبوط من السلطة السياسية إلى داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى النقابات والروابط وأجهزة الإدارة. تضاف إليها الأيدي التي تطاول صناعة المناهج، وصولاً إلى جيش من الذباب الإلكتروني المتخصص بالتحريض.
الدولة العميقة وقدرات التعطيل
وزارة التربية أهم مورد للسلطة العميقة، فمن خلالها يتم توظيف آلاف التابعين والأصوات الانتخابية. فحجم هذا القطاع هو الثاني بعد وزارة الدفاع والجيش المضبوط بطبيعة نظامه العسكري. بينما التعليم مخترق، خصوصاً منذ اتفاق الطائف، وهو بمثابة صندوق مالي تتوزعه السلطة العميقة من موازنة الدولة.
تتعدى أهداف السلطة العميقة الحيز المالي والإفادة من الأموال العامة إلى القدرة على التحكم بما يتجاوز 80 ألف عائلة من مختلف الإنتماءات السياسية من خلال التحكم بلقمة العيش والولاء الوظيفي المرتبط بها. كما تتميز بالقدرة على شرذمة المستقلين من خلال عزلهم عن مراكز القرار وصناعة التغيير.
في جردة أولية لقدرات الدولة العميقة على تعطيل الإصلاح في القطاع التربوي، نرى بوضوح التمييز على مستوى الدخل والأجور بين أساتذة الملاك والمتعاقدين في الموازنة. في موازنة 2025 أساس الراتب لنحو 15 ألف أستاذ في الملاك 4725 مليار ليرة. بينما المتعاقدون وعددهم 18 ألف أستاذ يحصلون على 1633 مليار ليرة، علماً أن المتعاقدين هم ركيزة التعليم الأساسي.
فجوة أخرى كبرى تظهر بين أساتذة التعليم الثانوي والجامعة اللبنانية، وبين القضاة والأساتذة الجامعيين. وفجوة أخرى أيضاً في التقديمات المدرسية بين تعاونية موظفي الدولة البالغة أكثر من 100 مليون ليرة للتعليم الرسمي، وتقديمات الضمان 4 ملايين ليرة وغيرها. وما ورد هو عينة من اللاعدالة بين المواطنين المشرعة عبر موازنة الحكومة السابقة ومؤسسات الرعاية الإجتماعية التابعة لها.
ما هي أعذار الحكومة الحالية لتقليل الفجوة الإجتماعية في قطاع التعليم وتوفير المساواة أو تقليل الفجوة؟ فهذه الفروقات تترجم في ذاتها تغاضي الحكومة عن مبادئ أساسية أقرها الدستور لناحية العدالة والمساواة والأجر العادل والتقديمات الاجتماعية. فمن أراد إعادة توزيع الموارد وبالتالي تعديل الموازنة العامة لم ينجح في تجاوز الدولة العميقة التي لا تريد تغييراً في مقاربة الإنفاق ووقف الهدر والفساد في النظام القائم. هذه المقاربات تحد من سلطة الدولة العميقة وتضعها تحت المجهر.
تتحد الجهات المكونة للدولة العميقة من أحزاب وطوائف ومصالح خاصة لتعرقل أي محاولة خرق للمنظومة ومصالح أي من مكوناتها. وقد شهدنا ذلك في انتخابات نقابية عدة مثل روابط المعلمين، وفي تعطيل تعديل قانون المعلمين، وتعطيل القانون 515/96 وغيرها. ووزارة التربية هي مورد مالي كبير للطوائف والأحزاب، من خلال المدارس الخاصة والتقديمات المدرسية، لضمان التبعية الوظيفية.
تداعيات عدم المواجهة
قرار عدم المواجهة من وزيرة التربية ومن رئيس الحكومة يترك آثاراً كبرى على المنظومة التعليمية. وأياً تكن مبادرات الإصلاح، فالدولة العميقة لن تسمح لها بأن تتجاوز “خطوط دفاعها”، لا في الرقابة ولا المحاسبة ولا النهوض بالتعليم الرسمي. وفي المقابل، تؤكد المدارس الخاصة نيتها التحرر من سلطة الوزارة وإثبات عجز المنظومة التعليمية والحكومة عن تأمين تعليم رسمي جيد.
عَودٌ على بدء. سيراكم قرار “4 أيام تدريس” فاقداً تعليمياً إضافياً. وهذا الفاقد بدأ بالتراكم في العام 2017، أي بعد قرار الوزير السابق الياس بوصعب تقليص أيام الدراسة من 175 يوماً إلى 120 في السنة. ثم تقلص الدوام بسبب جائحة كورونا وعقب الإضرابات التي شهدتها المدارس الرسمية، ثم أتت الحرب على لبنان، ووصل الفاقد إلى 880 يوماً، بحسب مركز الدراسات اللبنانية. والعام المقبل سيحمل فاقداً بنحو 80 يوماً، ليصبح الفاقد التراكمي لأيام التدريس أكثر من خمس سنوات، وفق معايير دول مجلس التعاون الاقتصادي OECD (180 يوماً مدرسياً). علماً أن المناهج المخففة والمقلصة كانت مصممة لتنجز في 150 يوم تعليمٍ فعلي، لكنها فقدت أكثر من نصفها. واللافت أن المدارس الخاصة غير معنية بقرار الوزيرة كرامي. ما يعني اتساع الفجوة التعلميّة بين الخاص والرسمي. وهنا من المفيد الإشارة إلى أن نحو 40% من تلامذة الرسمي هم من منطقتي الشمال وعكار. وهذا بدوره يشكل فجوة تعلميّة مناطقية وطائفية، ذلك أن غالبية التلامذة في الشمال وعكار من المسلمين السنّة. وفي اختصار، الدولة العميقة تكرّس التمييز واللاعدالة المناطقية والطائفية والاجتماعية.



