فن ومنوعات

يحيى جابر اللبناني الجنوبي الثورجي يفجر غاراته الاخراجية على المسرح ما بين زغرتا واهدن…

هشام حطيط

حين يصبح المسرح ذاكرة وطن…
ليس من السهل الاقتراب من تجربة مسرحية يحيى جابر، ذلك الاسم الذي لم يعد بحاجة إلى إعلان أو ترويج، لأن حضوره وحده يكفي ليملأ الصالة بجمهور متنوع، يجمعه شغف الحكاية ودفء الذاكرة. في عمله الجديد «القرنة البيضا»، يواصل جابر مشروعه المسرحي الفريد، محوّلًا الخشبة إلى مساحة حيّة للتأريخ الشفهي، حيث تتحوّل التفاصيل اليومية والذاكرة المنسيّة إلى نص صادق، ساخر حينًا، موجع حينًا، يطرح الأسئلة أكثر مما يقدّم الأجوبة.
في «القرنة البيضا» يأخذنا جابر إلى شمال لبنان، إلى زغرتا وإهدن، حيث التاريخ والعادات والتقاليد والنكات والحكايات التي صنعت وجدان المكان. يكتب بلغة «السهل الممتنع»: بسيطة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها، ساخرة في مرورها، ودقيقة في ربطها بين تفاصيل تبدو متباعدة، من «الكبة» إلى جبران خليل جبران، ومن القداسة إلى الحياة اليومية. نصّ يدهشك قبل أن يضحكك، ويجعلك ترى نفسك في مرآة المكان.
وعلى الخشبة، تمنح ماريا الدويهي النص روحه النابضة. بصوتها وحضورها، تتحوّل الكلمات إلى حياة، وتصبح الشخصيات مرآة لوجع جماعي مخفي خلف الضحك. أداؤها لا يصرخ بل يهمس، فيصيب أكثر. تتنقّل بين شخصيات نسائية زغرتاوية متعددة بخفة لاعب سيرك محترف، فتشدّ الجمهور منذ اللحظة الأولى، وتتركه مسمّرًا أمام طاقة أدائية نادرة، حيث يذوب الحدّ بين الممثلة والنص.
السينوغرافيا في «القرنة البيضا» تذهب إلى الحدّ الأدنى، مكتفية بإضاءة ذكية ومساحة بيضاء تفتح المجال أمام الخيال. هنا، لا يحتاج العرض إلى الزخرفة، فالقوة تكمن في الكلمة والأداء، وفي تلك الكيمياء النادرة بين الكتابة والمسرح الحي.
«القرنة البيضا» ليست مجرد مسرحية، بل تجربة تُعاش. حكاية عن الناس، عن الذاكرة، عن واقع نعرفه جميعًا. عمل يراكم على مشروع يحيى جابر الطويل في تحويل الحكاية الشعبية إلى مادة حيّة، قادرة على الإضحاك والتأمل معًا، دون صراخ أو ادّعاء.
إنه مسرح يشبه صاحبه: صادق، عميق، وإنساني.
يحيى جابر و ماريا الدويهي كلّ الحب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى