سياسة

رجل بن فرحان في بيروت: الرياض تغيّر قواعد اللعبة في لبنان

لم يكن دور المملكة العربية السعودية في لبنان عابراً كعبور دبلوماسيات الدول الاخرى، ففي العاصمة بيروت يتحول السفير السعودي إلى لاعب سياسي يُقاس وزنه بميزان الأزمات، ويُختبر حضوره عند كل منعطف. من هنا، يكتسب تسلّم فهد بن عبدالرحمن آل هذلول الدوسري مهامه خلفاً للسفير وليد البخاري أبعاداً تتجاوز الاجراءات الدبلوماسية الروتينية.
يأتي التغيير في لحظة لبنانية مفصلية، حيث تحاول الدولة التقاط أنفاسها من تداعيات الازمات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وربما تكتسب الحرب الاسرائيلية على لبنان أبعادا استراتيجية نظرا لخطورتها على مستقبل البلاد التي تسعى عبر مؤسساتها الى فك شيفرة السلاح غير الشرعي كشرط أساسي لأي استقرار مقبل. في هذه البيئة المتقلبة، تبحث بيروت عن مرتكزات إقليمية تعيد التوازن إلى قرارها السيادي.
في المرحلة التي مارس فيها مهامه الدبلوماسية، أدار السفير وليد البخاري العلاقة السعودية-اللبنانية في واحدة من أحلك مراحل لبنان الحديث. حافظ على ثوابت الرياض: التمسك باتفاق الطائف كمرجعية لا تُمس للسلم الأهلي، وتفعيل الدعم الإنساني عبر قنوات كالصندوق السعودي الفرنسي، والدفع نحو إنهاء الشغور الرئاسي من بوابة “اللجنة الخماسية”. لكن المرحلة الأخيرة من ولايته شهدت تبدلاً في قواعد الاشتباك السعودي داخل لبنان، مع بروز دور الموفد الأمير يزيد بن فرحان وتقليص هامش حركة السفير. وهو ما فُسّر بأنه انعكاس لصراع أجنحة داخل البيت السعودي الواحد، انتهى بخروج البخاري المحسوب على الموفد السابق نزار العلولا، وصعود الدوسري المقرب من بن فرحان.
السيرة الدبلوماسية لفهد الدوسري تشي بخبرة متراكمة. فقد شغل منصب السفير السعودي في دول عدة قبل تكليفه في بيروت. هذا التنقل بين العواصم يمنح الرجل أدوات إدارة الملفات الشائكة، خصوصاً في بيئات سياسية متداخلة التعقيد كاللبنانية. التحدي الأول أمامه هو ترجمة هذا الرصيد إلى نفوذ هادئ يعيد وصل ما انقطع مع الشارع السني تحديداً، الذي يرى في الرياض امتداده التاريخي ومرجعيته السياسية الأولى.
لا يملك الرأي العام اللبناني حتى اللحظة تصريحات موثقة للدوسري حول لبنان تحديداً، وهذا غياب مفهوم في الدبلوماسية السعودية التي تفصل بين المناصب والمواقف الشخصية. لكن تعيينه في هذا التوقيت يحمل رسالتين: الأولى، أن الرياض ماضية في مقاربة جديدة قوامها التنسيق المباشر مع الموفد بن فرحان، لا ازدواجية الخطاب. والثانية، أن المرحلة المقبلة تحتاج دبلوماسياً “ميدانياً” قادراً على إدارة تفاصيل الملفات، لا الاكتفاء بالمواقف.
ينتظر من الدوسري أن يوظف خبرته لاستكمال الدور السعودي المحوري في لبنان. وأول استحقاق هو حماية اتفاق الطائف من أي محاولة لتجاوزه تحت ضغط التسويات الإقليمية. فالرياض تدرك أن أي مساس بالصيغة يعني تفكيك آخر ضمانات السلم الأهلي.
أما الملفان الأكثر حساسية فهما: التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وملف سلاح حزب الله. هنا، لا تملك السعودية عصا سحرية، لكنها تملك أوراق تأثير ثلاث: الغطاء العربي السني، والقدرة المالية على تمويل أي خطة إنعاش، والتحالف الوثيق مع واشنطن وباريس. نجاح الدوسري سيُقاس بقدرته على تحويل هذه الأوراق إلى ضغط منتج يدفع نحو استعادة الدولة قرارها السيادي، من دون تفجير الداخل.
تاريخياً، تدخلت السعودية في لبنان عند المفاصل المصيرية: من الطائف، إلى مؤتمرات الدعم، إلى مبادرات رأب الصدع السني. وفي كل مرة، كانت تنجح في المهمات الموكلة إليها حين تتوفر الإرادة اللبنانية الجامعة. اليوم، تعود المملكة إلى الساحة في “زمن التقلبات الصعبة”، لكن بمعادلة مختلفة: لم تعد تريد إدارة الأزمة، بل المساعدة على إنهائها.
تعيين الدوسري هو إعلان نوايا بأن الرياض لن تترك الساحة اللبنانية للفراغ. شخصية السفير الجديد، القادمة من رحم المدرسة الدبلوماسية المخضرمة والقريبة من مركز القرار الحالي في ملف لبنان، توحي بأن المرحلة المقبلة ستشهد دبلوماسية سعودية أكثر التصاقاً بالتفاصيل، وأقل مجاملة للوضع القائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى