
في السياسة، يحق لرئيس الجمهورية إبداء موقفه من مسألة راهنة، كحالة العداء مع إسرائيل مثلاً. أما في القانون، فلا يحق له اعتبار أن موقفه السياسي يحمل القيمة القانونية نفسها، بما يسمح له، بمجرد إصدار موقف، بإلغاء حالة العداء. ولا يحق له ذلك حتى لو كان يتفاوض استناداً إلى المادة 52 من الدستور، ببساطة لأن ثمة مراسيم وقوانين وتشريعات دستورية سابقة ما زالت نافذة ولم تُلغَ. ومهما بلغت قوة البيان أو الموقف الرئاسي، فإنها، بمعيار قانوني وحقوقي، لا تضاهي قوة النص القانوني أو الدستوري، ولا تنقض قراراً سيادياً صادراً عن مجلس النواب، ولا تلغي أي احتمال لنشوء حالة سياسية طبيعية بين لبنان وإسرائيل. والممر الطبيعي لوصول الرئيس إلى ما يريده هو إلغاء هذه التشريعات من خلال مسار قانوني وتشريعي واضح.
هذا هو موقف عدد من رجال القانون والحقوقيين وخبراء الدستور في لبنان حيال الحالة الراهنة في العلاقة القائمة مع إسرائيل، وهي علاقة تتجه نحو تغيير ليس موضعياً فحسب، بل استراتيجياً، في طبيعة علاقات لبنان وقوانينه، من دون الاستناد إلى النص القانوني أو قوة القانون، بل عبر تجاوزه، تكريساً لمسار تخطّي القوانين الذي بات قائماً منذ ما بعد اتفاق الطائف عام 1990.
يستند رئيس الجمهورية جوزاف عون +في المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي في واشنطن إلى المادة 52 من الدستور التي تجيز له إبرام المعاهدات الدولية، ويتجاهل، على سبيل المثال، الفقرة (ي) من مقدمة الدستور، التي لا تعطي الشرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. وحيث إن إسرائيل تشن حرباً على لبنان وتستهدف أحد مكوناته الأساسية، فإن أي انتقاص من قيمة هذا المكون أو تجاوز رأيه، في ظل الديمقراطية التوافقية اللبنانية، يمثل نقضاً لصيغة العيش المشترك.
وفي ما يتعلق بالمادة 52 من الدستور، فإن المشترع، منعاً للاستنسابية أو التفرد، ربط حق الرئيس في التفاوض بموجبات دستورية موازية لا تقل قوة، فألزم رئيس الجمهورية، في حال التوصل إلى معاهدة أو ما يعادلها، بعرضها على مجلس الوزراء لمناقشتها وإقرارها بصيغة قانونية. كما أفتى أن تمر، حكماً، بعد ذلك إلى الديوان التشريعي ممثلاً بمجلس النواب لإقرارها وإصدارها بقانون نافذ.
في الحالة الراهنة، وفي ما سُمّي «اتفاق المبادئ» المعلن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية كصيغة ناشئة عن طاولة مفاوضات واشنطن، مرّ بند بالغ الخطورة يتعلق عملياً بمفاعيل إلغاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، من خلال نص ملتبس جاء فيه: «أكدت إسرائيل ولبنان عدم وجود أي نوايا عدائية بينهما». ثم أُتبع ذلك بتصريح للرئيس في مقابلة مع محطة CNN، عبّر فيه عن اعتقاده بإمكان انتهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، وما يترتب على ذلك من آثار تطال القوانين اللبنانية النافذة، ولا سيما الواردة في قانون العقوبات، من دون أن يمر النص أو مفاعيله عبر مجلس الوزراء أو مجلس النواب.
في المقابل، يتذرع الحكم بأن الاتفاق المبرم مع إسرائيل ليس سوى اتفاق مبادئ أو اتفاق إطار، وليس اتفاقاً نهائياً يستوجب المرور بالمؤسستين التنفيذية والتشريعية. غير أن مفاعيله، سواء المطبقة منها أو التي لم تُطبق بعد، تحمل صفات تغييرية واضحة في أصل صورة العداء بين الدولتين، وتترتب عليها نتائج سياسية وقانونية، فضلاً عن أنها تتعارض، وفق هذا الرأي القانوني، مع الفقرتين (ط) و(ي) من مقدمة الدستور اللبناني. كما أنها أفضت عملياً إلى منح شرعية لظهور إسرائيليين، المصنفين قانوناً كأعداء، على وسائل الإعلام اللبنانية، وهذا ما حصل، استناداً إلى تفسير سياسي لموقف رئيس الجمهورية، ما يجعل الأمر، بحسب هذا الرأي، مستوجباً للمرور عبر المؤسسات الدستورية المختصة.
ويُضاف إلى ذلك تعزيز القفز فوق المؤسسات بمزاعم يُتداول بها في الأوساط الرسمية، مفادها أن لا حاجة لهذا المسار المؤسسي استناداً إلى سوابق مشابهة، أبرزها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، وذلك طالما أن رئاستي الجمهورية والحكومة متفقتان على التوجه نفسه، وأن الأكثرية الوزارية تدور في فلك هذا التفاهم. والمنطق نفسه يُسقط على مجلس النواب، حيث إن الرئاستين الأولى والثالثة تحظيان بأغلبية نيابية كافية لتمرير أي خيار سياسي أو قانوني. كما يستند هذا المنطق إلى مبدأ سياسي كرّسه رئيس مجلس النواب نبيه بري في بعض المحطات الاستثنائية، ولا سيما في الاستحقاقات الرئاسية، ومفاده أن التوافق، متى تحقق، قد يغني عن اللجوء إلى المؤسسات، علماً أن معياره في هذا المبدأ، إعتماد التوافق الطائفي لا السياسي فقط. وفي الحالة الراهنة، لا توافق طائفياً حول مسألة إلغاء حالة العداء وما يشبهها مع إسرائيل.
غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في وجود نصوص قانونية ودستورية وسيادية ذات قوة أعلى من مجرد موقف سياسي أو رئاسي، وتحتاج، وفق مبدأ موازاة الصيغ، إلى تعديلات قانونية مماثلة في مستواها. ومن أبرز هذه النصوص إعلان حالة الحرب على إسرائيل الصادر عن مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 15 أيار 1948، والذي أقر بالإجماع مشاركة لبنان في معركة الدفاع عن فلسطين استناداً إلى قرار جامعة الدول العربية والإجماع العربي، وربط ذلك بالدفاع عن أمن لبنان، وهو ما يوازي إعلان حالة الحرب المشابهة لإعلان مماثل صدر في 27 شباط 1945 عن مجلس النواب بإعلان لبنان الحرب على ألمانيا واليابان. لاعطاء بعد قانوني استُتبع قرار عام 1948 بإقرار اعتمادات مالية تحت عنوان «نفقات جيش فلسطين». وبعد أقل من شهر، دخل الجيش اللبناني الحرب عملياً عبر معركة المالكية الثانية في 5 و6 حزيران 1948، حيث تمكن من استعادة البلدة ومواقع أخرى في محيطها، قبل أن يعود ويخسرها مع مناطق إضافية في خريف نفس العام.
بقي هذا التشريع نافذاً في ظل العهود والحكومات المتعاقبة، طالما لم يصدر أي نص قانوني يلغيه، مستنداً إلى قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن الحقوق أو الالتزامات المكرسة في نص قانوني أو دستوري لا يجوز الانتقاص منها أو إبطالها بقرار حكومي أو إعلان سياسي أو تفاهم دبلوماسي ما لم يتم الغاؤها بمثلها (أي بنص قانوني موازٍ)، إلا وفق آلية قانونية مماثلة.
حتى بعد توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949، لم تُلغَ حالة الحرب قانونياً. بل تعززت لاحقاً عبر قوانين ومواقف وتشريعات أخرى، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1950 ثم الكثير من التشريعات النيابية والقانونية اللبنانية، كما ساهمت الاعتداءات والحروب الإسرائيلية المتلاحقة على لبنان في تكريس هذه الحالة، بدءاً من عدوان عام 1968 على مطار بيروت، مروراً بعملية الليطاني عام 1978، واجتياح عام 1982 واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، ولم تلغها حالة تحرير عام 2000 بنتيجة قوة المقاومة العسكرية لا السياسية، وصولاً إلى حربي 1993 و1996، ثم عدوان تموز 2006، وما تلاه من اعتداءات واحتلالات متجددة بعد 8 تشرين الأول 2023.
وفي نصوص قانون العقوبات اللبناني الساري المفعول أيضاً نصوص تتجاوز مجرد تجريم التواصل مع العدو إلى تجريم الدعوة إليه أو تسهيله في ظروف الحرب، وهو ما تنص عليه المادتان 274 و278 من قانون العقوبات اللبناني، حيث تعاقب الأولى بالإعدام كل من حمل السلاح في صفوف العدو، فيما تنص الثانية على الأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة بحق كل من اتصل بدولة معادية أو سهّل هذا الاتصال.
وفي الحالة الراهنة، يرى أصحاب هذا الرأي القانوني أن لبنان، طالما أنه لا يزال واقعاً تحت العدوان والاحتلال، لا يستطيع قانوناً إقرار تشريعات أو اتفاقات تلغي حالة الحرب، ولا حتى الموافقة على إتفاقية عميقة تمس في هذه الحالة أو غيرها. كما أن أي محاولة من هذا النوع قد تواجه بإشكاليات قانونية جدية استناداً إلى المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تعتبر أن المعاهدات المبرمة نتيجة التهديد أو استخدام القوة تعد باطلة. وبالتالي، فإن أي اتفاق يُبرم في ظل العدوان أو الاحتلال أو التهديد بالقوة يثير تساؤلات جدية حول مدى شرعيته وقابليته، وهو ماثل في حالة لبنان اليوم.



