سياسة

دماء العسكريين ليست رخيصة

“ليبانون ديبايت” - وليد خوري

في اليوم الذي كان الجيش اللبناني يتلقى خبر استشهاد ضابطين وعنصر في استهداف إسرائيلي، كانت الدولة تفتتح مطار القليعات. بين المشهدين تختصر صورة كاملة عن العلاقة بين السلطة والمؤسسة العسكرية في لبنان: جيش يدفع الأثمان، وسلطة تتصرف وكأن الأمور تسير في مجراها الطبيعي.

والمسألة هنا لا تتعلق بافتتاح مطار بحد ذاته، بل بالرسالة السياسية التي يبعثها استمرار المشهد الرسمي كالمعتاد في يوم استثنائي كهذا.

سيقول البعض إن الدول لا تُدار بالعواطف، وإن لبنان لا يحتمل التصعيد، وإن المفاوضات الجارية مع إسرائيل تبقى ضرورة لحماية المصالح اللبنانية ومنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع. وقد يكون في ذلك الكثير من الصحة. لكن أحداً لا يطالب بقرارات انفعالية أو متهورة. المسألة أبسط من ذلك بكثير: ماذا فعلت السلطة لتقول إن استهداف الجيش اللبناني ليس حادثاً عادياً؟

المشكلة ليست في استمرار المفاوضات ولا في الخيارات الدبلوماسية التي تعتمدها الدولة. المشكلة أن اللبنانيين لم يلمسوا أي خطوة توازي حجم الاعتداء. لم يروا موقفاً سياسياً مختلفاً، أو تحركاً غير اعتيادي، أو رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن استهداف المؤسسة العسكرية يتجاوز حدود حادث أمني عابر.

في السياسة، لا تقل الرمزية أهمية عن القرارات. فالدول تعبّر عن أولوياتها من خلال أفعالها كما من خلال رسائلها. وعندما يتزامن سقوط عسكريين أثناء أداء واجبهم مع احتفال رسمي كبير، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا: هل شعرت السلطة فعلاً أن ما جرى استوجب موقفاً مختلفاً؟

المفارقة أن الجيش هو المؤسسة التي تُستدعى كلما تعثرت السياسة. يُطلب منه حماية الحدود، وضبط الأمن، ومواجهة الأخطار، وسدّ الفراغ حيث تعجز المؤسسات الأخرى. وعندما ينجح، يُقال إنه يؤدي واجبه. أما عندما يُستهدف، فيبدو أن استعداد الجيش للدفاع عن الدولة أكبر من استعداد الدولة للدفاع عنه.

هنا تحديداً تكمن المشكلة.

فالمؤسسة العسكرية التي فقدت ضباطاً وعناصر من أبنائها تجد نفسها مطالبة بالاستمرار في أداء واجباتها كاملة، بما في ذلك المشاركة في مسارات تفاوضية تراها الدولة ضرورية. قد يكون ذلك جزءاً من المصلحة الوطنية، ولا يعترض أحد على قيام المؤسسة العسكرية بواجباتها الوطنية مهما كانت الظروف، لكن ما يصعب فهمه هو غياب أي خطوة سياسية موازية تؤكد أن دماء العسكريين لم تمر مرور الكرام.

لم يكن المطلوب بالضرورة وقف المفاوضات أو نسف المسارات القائمة. لكن بين الاستمرار في التفاوض وبين الاكتفاء ببيانات الاستنكار مساحة واسعة من الخيارات السياسية والدبلوماسية. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل استُخدم أي من هذه الخيارات؟

لم يكن المطلوب إعلان الحرب، ولا نسف المسارات الدبلوماسية القائمة. لكن بين هذين الخيارين مساحة واسعة من الأدوات السياسية التي تلجأ إليها الدول عندما تتعرض مؤسساتها السيادية للاستهداف: جلسة حكومية طارئة، تحرك دبلوماسي استثنائي، استدعاء السفراء المعنيين، أو حتى تعليق مؤقت لأي مسار تفاوضي إلى حين اتضاح ملابسات الجريمة. أي خطوة تقول بوضوح إن استهداف الجيش اللبناني ليس حدثاً يمر كغيره.

الأزمة الحقيقية ليست في ما فعلته إسرائيل، بل في الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع ما حصل. فحين يُستهدف الجيش اللبناني، يفترض أن ينعكس ذلك في الأداء السياسي للدولة. أما أن يمر الحدث وكأنه محطة عابرة، فهذه هي المشكلة التي تستحق النقاش.

فالجيش لا يحتاج إلى المزيد من الخطب عن التضحية والشرف والوفاء. يحتاج إلى سلطة تتصرف كأن الاعتداء عليه اعتداء عليها. يحتاج إلى دولة تشعر بأن هيبتها تُمس عندما يُقتل جنودها، وأن كرامتها الوطنية تُستهدف عندما يُستهدف جيشها.

الخطر ليس فقط في الاستهداف الإسرائيلي، بل في الاعتياد عليه. في أن يصبح استشهاد عسكريين لبنانيين خبراً يمر بين مناسبة رسمية وأخرى، وفي أن تتصرف السلطة وكأن المؤسسة التي تحمل عنها أعباء الوطن قادرة دائماً على دفع الثمن وحدها.

قد تكون المفاوضات ضرورة وطنية، وقد يكون استمرارها خياراً تفرضه حسابات الدولة. لكن ما لا يمكن تبريره هو أن يُطلب من الجيش أن يواصل أداء واجبه بعد دفن رفاقه، فيما تعجز السلطة عن اتخاذ خطوة واحدة توحي بأن دماءهم فرضت موقفاً سياسياً يوازي حجم التضحيات التي قدموها. عندها لا تصبح القضية مجرد اعتداء إسرائيلي جديد، بل تتحول إلى سؤال كبير عن دولة تطلب من جيشها أن يدافع عنها في كل مرة، فيما لا تنجح هي في إقناع اللبنانيين بأنها تعاملت مع استهدافه بالجدية التي يستحقها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى