
في غرب آسيا، لا تنتهي الحروب حين تصمت المدافع. تنتهي حين يتغير تعريف القوة، وحين تكتشف الإمبراطوريات أن الخرائط التي رسمتها بالنار لم تعد تتسع لأحلامها.
من هذه الزاوية تبدو مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية حدثاً أكبر من وثيقة تفاوضية. إنها أشبه برسالة وصلت متأخرة نصف قرن إلى منطقة اعتادت أن تستقبل الرسائل على هيئة بوارج وحاملات طائرات. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تتقدم السياسة على الدخان، ويجلس عدوّان تبادلا النار والعقوبات والتهديدات لعقود طويلة حول طاولة واحدة، بعدما قالت الجبهات كلمتها الأخيرة.
ومن علٍ، تبدو الصورة مختلفة عمّا تراه العيون الملتصقة بالخنادق. فالمنطقة التي بدأت رحلتها الحديثة مع سايكس ـ بيكو، وعبرت محطات النفط والثورات والحروب والاحتلالات، تقف اليوم عند مفترق تاريخي جديد. ليس لأن الاتفاق وُقّع، بل لأن الجميع اكتشف حدود القوة. فالجيوش بلغت أقصى اندفاعها، والعقوبات بلغت أقصى قسوتها، والحصار بلغ أقصى مداه، فيما بقيت الشعوب مثل صخور الشواطئ الشرقية للمتوسط؛ تتلقى الموجة تلو الموجة، لكنها تبقى في مكانها فيما يتآكل البحر نفسه من فرط الاصطدام.
لكن التاريخ لا يوزع الهدايا مجاناً.
ففي كل مرة تقترب المنطقة من تسوية كبرى، يظهر كيان الاحتلال بوصفه اللاعب الأكثر ارتياباً من الاستقرار. ذلك أن مشروعه السياسي ازدهر طويلاً في المناخات المضطربة. وحين تهدأ الجبهات، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور: ماذا عن الأرض المحتلة؟ ماذا عن الحقوق المؤجلة؟ ماذا عن الكلفة الأخلاقية والسياسية للحروب المتعاقبة؟
لهذا السبب لا يجوز النظر إلى المذكرة باعتبارها نهاية الطريق. إنها بداية مرحلة جديدة من الصراع بأدوات مختلفة. فالذين يفقدون القدرة على فرض وقائع كبرى قد يلجأون إلى تعطيل الوقائع الناشئة. والتاريخ الحديث للمنطقة مليء بالأمثلة.
قد نشهد عودة إلى سياسة الاغتيالات باعتبارها الوسيلة الأقل كلفة والأكثر قدرة على تفجير المسارات السياسية. رصاصة واحدة قد تحاول إلغاء أشهر من التفاوض. وقد تعود عمليات التخريب الأمني المحدودة، أو الاستفزازات الحدودية المحسوبة، أو الحروب السيبرانية، أو الاستثمار في الانقسامات الداخلية للدول والمجتمعات. فحين تعجز بعض القوى عن منع القطار من الانطلاق، تحاول وضع الحجارة على السكة.
في هذه الأثناء، قد يكون من المفيد تخيّل المشهد كما لو أن فرقة متخصصة بالاغتيال تراقب حركة هذه المذكرة في غرب آسيا. تراقبها وهي تعبر المضائق، وتنتقل بين العواصم، وتقترب من الجبهات التي أنهكتها الحروب. تدرس نقاط ضعفها. تختار الهدف. وتبحث عن اللحظة المناسبة.
فالمرحلة الراهنة ليست مرحلة إطلاق النار بعد. إنها مرحلة اختيار عيار الرصاصة القاتلة، ثم تثبيت المنظار، ثم التصويب البطيء نحو الفرصة التي وُلدت للتو. وقد يكون لبنان أحد الميادين المفضلة لمثل هذا النوع من الصيد السياسي، بحكم هشاشاته القديمة وتشابكاته المعروفة.
لذلك لا يكفي أن تكون المذكرة قوية على الورق. عليها أن ترتدي سترة واقية. وفي لبنان تحديداً، ليست هذه السترة سوى السلم الأهلي، مدججاً بطبقة سميكة من الحوار الوطني. فالحوار هنا ليس ترفاً سياسياً، بل درع حماية. وليس مناسبة بروتوكولية، بل إجراء وقائياً ضد الرصاصة التي قد تُطلق على التسوية قبل أن تبلغ وجهتها.
فبعض الاتفاقات تموت لأنها كانت ضعيفة. وبعضها يُقتل لأنها كانت واعدة أكثر مما ينبغي.
وقد يحاول كيان الاحتلال على وجه الخصوص استعادة زمام المبادرة عبر إنتاج توترات جديدة في أكثر من ساحة. فالمشكلة بالنسبة إليه لا تكمن في بنود الاتفاق بقدر ما تكمن في المناخ الذي أنتجه. مناخ يقول إن الحرب ليست قدراً أبدياً، وإن القوة العسكرية ليست اللغة الوحيدة الممكنة، وإن المنطقة قادرة على البحث عن توازناتها بعيداً عن الإيقاع الذي فرضه الاحتلال لعقود. ولذلك قد تصبح الاغتيالات والعمليات الأمنية المركبة وأدوات الفوضى المحدودة جزءاً من محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
غير أن اللحظة الراهنة تحمل فرصة نادرة تكاد تكون ومضة ذهبية في التاريخ السياسي للمنطقة. للمرة الأولى منذ عقود طويلة، تظهر تصدعات واضحة في جدار الدعم الأميركي اللامشروط لكيان الاحتلال. لا يعني ذلك انقلاباً كاملاً في السياسات، لكنه يعني أن مساحات كانت مغلقة بدأت تنفتح، وأن أسئلة كانت محرّمة أصبحت قابلة للنقاش. وما كان يُنظر إليه بوصفه قدراً ثابتاً، صار قابلاً للمراجعة.
هنا تكمن القيمة الحقيقية للمذكرة. فهي لا تؤسس فقط لوقف حرب، بل تكشف عن تبدل أعمق في حركة التوازنات الدولية. فواشنطن التي خاضت حروب العقود الماضية من موقع القوة المطلقة، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات منها إلى فرضها. وإيران التي صمدت أمام العقوبات والحصار والحروب غير المباشرة، تدخل التفاوض من موقع الشريك في رسم المرحلة المقبلة لا من موقع المتلقي لشروطها.
والأمم الذكية لا تتعامل مع مثل هذه اللحظات بالشعارات القديمة. تتعامل معها بلغة المصالح والرؤى والائتلافات الوطنية الواسعة. فحين تتغير الرياح الدولية، يصبح التمسك بالمفردات التي وُلدت في زمن آخر نوعاً من العمى السياسي. والمرحلة المقبلة ستحتاج إلى عقول تبني الجسور داخل مجتمعاتها قبل أن تبحث عن الجسور مع الخارج.
إذا نجح هذا المسار، فإن غرب آسيا قد تنتقل من زمن المتاريس إلى زمن الممرات. من الجغرافيا التي تقطعها الصواريخ إلى الجغرافيا التي تعبرها التجارة. ومن اقتصاد العقوبات إلى اقتصاد الاستثمار. سيكون ذلك انتقالاً يشبه خروج نهر كبير من عنق الوادي إلى السهل؛ حركة بطيئة في بدايتها، لكنها قادرة على تغيير المشهد كله.
وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان.
هذا البلد الصغير الذي اعتاد أن تهبط عليه ارتدادات الزلازل الإقليمية قبل غيره، يجد نفسه أمام فرصة نادرة. فرصة أن يتحول من ساحة لتبادل الرسائل إلى شريك في صناعة الاستقرار. لكن هذه الفرصة ليست قدراً محسوماً، بل مسؤولية وطنية.
لبنان لا يحتاج إلى الانحياز لمحور ضد آخر. يحتاج إلى الانحياز لنفسه. إلى سيادته. إلى أرضه. إلى حقه الكامل في حماية حدوده وتحرير ما تبقى من أرضه المحتلة واستعادة أسراه وإعمار قراه وصون سلمه الأهلي. ويحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى لغة سياسية جديدة تواكب التحولات الكبرى. لغة تبتعد عن العصبيات التي استنزفت اللبنانيين، وتقترب من مفهوم الدولة القادرة والوطن الجامع.
فحين تظهر شقوق في الجدار الذي حمى كيان الاحتلال لعقود، لا يكون الرد بالمزيد من الانقسام الداخلي، بل بمزيد من التماسك الوطني. وحين تمنح الجغرافيا فرصة نادرة لشعوبها، لا يجوز إهدارها في حروب الكلمات فيما خرائط المصالح يعاد رسمها من حولنا.
لقد علّمنا التاريخ اللبناني أن الأرز لا يفاوض الريح، لكنه يتقن الصمود حتى تمر. واليوم، فيما تتبدل اتجاهات الرياح فوق غرب آسيا، يحتاج لبنان إلى حكمة الأرز نفسها؛ جذور عميقة في الأرض، وأغصان مفتوحة على المستقبل.
أما المنطقة كلها، فتبدو كأنها تقف عند عتبة بيت قديم بعد ليلة طويلة من العواصف. الباب لم يُفتح بعد. والغرفة ما زالت نصف مظلمة. لكن أول خيط من الضوء ظهر تحت العتبة. وذلك وحده كافٍ كي يدرك العقلاء أن زمن الخرائط المصنوعة من البارود يقترب من نهايته، وأن المستقبل يُكتب الآن بحبر السياسة، فيما يحاول كيان الاحتلال أن يعيده إلى لغة النار.
ويبقى السؤال: هل تمتلك شعوب هذه المنطقة الشجاعة الكافية لحراسة هذا الضوء قبل أن تبتلعه الظلال من جديد؟



