
لطالما شكّلت الصورة إحدى أكثر أدوات التوثيق تأثيراً في الحروب والنزاعات، إذ اعتُبرت عبر عقود طويلة شاهداً بصرياً على الأحداث ووسيلة لنقل الحقيقة إلى الرأي العام. فمن صور الحروب العالمية إلى مشاهد النزاعات المعاصرة، لعبت الصورة دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجماعي وتوثيق الانتهاكات الإنسانية والجرائم العسكرية.
غير أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولاً جذرياً في مفهوم الصورة ودلالتها. فاليوم أصبح بالإمكان إنتاج صور فائقة الواقعية لأحداث لم تقع أساساً، أو تعديل صور حقيقية بطريقة تجعل اكتشاف التلاعب بها أمراً بالغ الصعوبة. وهكذا انتقلت الصورة من كونها أداة توثيق إلى ساحة جديدة للصراع المعلوماتي، حيث تتنافس الأطراف المتحاربة على صناعة الرواية والتأثير في الإدراك الجماهيري.
خلال متابعتي الصحافية للحرب الأخيرة وما رافقها من تدفق هائل للمعلومات والصور، لاحظت حجم التحدي الذي فرضته تقنيات الذكاء الاصطناعي على العمل الإعلامي. فقد كانت تصل يومياً عشرات الصور التي توثق، بحسب ناشريها، أحداثاً ميدانية أو عمليات عسكرية أو مشاهد دمار وضحايا.
لكن التحقق من عدد كبير من هذه الصور كشف أنها لا تعكس الواقع، بل تم إنتاجها أو تعديلها رقمياً بهدف التأثير على الرأي العام. وأظهرت هذه التجربة أن الصورة لم تعد دليلاً كافياً على الحقيقة، وأن التعامل معها يتطلب مستوىً عالياً من التدقيق والتحقق قبل النشر .
لقد بات الصحافي اليوم أمام مسؤولية مضاعفة، فالتسرع في نشر صورة مفبركة قد يساهم في تضليل الجمهور وتأجيج الانقسامات، فيما أصبح التحقق الرقمي جزءاً أساسياً من الممارسة الصحافية اليومية.
من الشاهد البصري إلى أداة تضليل
خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، برزت الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي كأحد أخطر أشكال التضليل الرقمي. فقد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور ومشاهد بدت للوهلة الأولى حقيقية، لكنها كانت في الواقع نتاج برامج الذكاء الاصطناعي.
ومن الأمثلة التي أثارت جدلاً واسعاً صورة مزعومة لمصافحة بين السفيرة اللبنانية في واشنطن والسفير الإسرائيلي، قبل أن تكشف عمليات التحقق أنها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ولا تمت إلى الواقع بصلة. وقد أظهرت هذه الحالة مدى قدرة الصور المزيفة على إثارة الرأي العام والتأثير في النقاشات السياسية خلال فترات الأزمات.
في الحروب الحديثة لم يعد الصراع مقتصراً على الميدان العسكري، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت معركة السرديات والروايات لا تقل أهمية عن المعارك على الأرض. وتسعى الأطراف المختلفة إلى كسب التعاطف الشعبي والدولي عبر محتوى بصري مؤثر، سواء كان حقيقياً أو مفبركاً.
يرى الصحافي نذير رضا أن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي شكّلت أحد أبرز التحديات في تغطية الحرب الأخيرة، خصوصاً أنها انتشرت خلال لحظات حساسة وساهمت في خلق وقائع غير صحيحة جرى توظيفها ضمن الصراع السياسي الداخلي الموازي للحرب العسكرية.
ويقول رضا إن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات قادراً على إنتاج صور من الصفر تبدو كما لو أنها حقيقية تماماً، الأمر الذي يمنح المحتوى المزيف قوة إقناع كبيرة لدى المتلقين.
ويلفت إلى أن الحرب شهدت انتشار صور مزعومة لتدمير مناطق كاملة في الجنوب اللبناني، وصور أخرى تتعلق بعدد الشهداء أو أوضاع النازحين، كما ظهرت في المقابل صور تتحدث عن خسائر إسرائيلية أو وقائع سياسية غير حقيقية. ويؤكد أن معظم هذه الصور خضعت لاحقاً للتدقيق وتم كشف زيفه خلال فترات زمنية قصيرة.
ويحذر رضا من أن خطورة هذه الصور لا تقتصر على التضليل الإعلامي، بل تمتد إلى زيادة التوتر والانقسام بين اللبنانيين عبر تقديم صورة مشوهة عن الواقع، داعياً إلى التريث في النشر والاستعانة بأدوات التحقق الرقمية لضمان دقة المعلومات في أوقات الأزمات.
تضخيم واختلاق وقائع
من جهتها، تؤكد الصحافية أسمهان صفي الدين أن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي كانت من أبرز التحديات التي واجهتها خلال تغطية الحرب في جنوب لبنان. وتروي أنها كانت تتلقى بشكل شبه يومي صوراً تظهر دبابات إسرائيلية مدمرة أو معارك عنيفة، وتبدو مقنعة إلى حد كبير قبل أن يتبين لاحقاً أنها صور مزيفة.
وتستذكر صفي الدين صورة انتشرت على نطاق واسع وقيل إنها تُظهر جنوداً إسرائيليين داخل مقام النبي شمعون الصفا في بلدة شمع الجنوبية. وتقول إن الصورة أثارت لديها شعوراً بالقهر بسبب رمزية المكان بالنسبة لأهالي المنطقة، لكنها امتنعت عن نشرها قبل التحقق منها.
وبعد عرض الصورة على مختص في تدقيق المحتوى الرقمي، تبيّن أنها مولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي ولا أساس لها في الواقع.
وترى صفي الدين أن خطورة هذه الصور تكمن في قدرتها على استغلال المشاعر الإنسانية خلال الحروب، ما يجعل التحقق الرقمي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في العمل الصحافي.
أما مدققة المعلومات إيمان برق فتؤكد أن الصور ومقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في مجال التحقق من المعلومات. وتشير إلى أن هذه التقنيات تُستخدم أحياناً لتضخيم مآسٍ حقيقية أو اختلاق وقائع غير موجودة أو توظيف محتوى مزيف في سياقات سياسية بهدف التأثير على الرأي العام.
وتوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن بعض أدوات الكشف الحديثة نفسها لا تستطيع دائماً الجزم بشكل قاطع بكون الصورة أو الفيديو مزيفاً، نظراً للتطور الكبير الذي شهدته تقنيات الإنتاج.
وتشدد برق على أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من التضليل، داعية الجمهور إلى اعتماد المشاهدة الناقدة وعدم الانجرار وراء المحتوى الذي يستهدف إثارة المشاعر قبل التحقق من صحته.
من التضليل إلى فوضى الحقيقة
تكمن المفارقة الأخطر في أن انتشار الصور المزيفة لا يؤدي فقط إلى تصديق الأكاذيب، بل قد يدفع أيضاً إلى التشكيك في الصور الحقيقية. فعندما يصبح التزييف ممكناً بهذه السهولة، يمكن لأي طرف أن يرفض الأدلة الحقيقية بحجة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي. وهكذا ندخل مرحلة ما يعرف بـ “فوضى الحقيقة”، حيث تتآكل الحدود بين الواقع والخيال، وتفقد الصورة جزءاً كبيراً من قيمتها التوثيقية. ويحذر خبراء الإعلام الرقمي من أن أخطر آثار الذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في إنتاج الأكاذيب، بل في خلق بيئة يصبح فيها كل شيء قابلاً للإنكار والتشكيك.
توضح غدير حمادي، وهي صحفية لبنانية متخصصة في التحقق من المعلومات ومكافحة الأخبار الكاذبة، وإحدى مؤسسي منصة “صواب” اللبنانية المعنية بالتحقق من الأخبار والصور والفيديوهات المتداولة، أن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، رغم تطورها الكبير، لا تزال تحمل بعض المؤشرات التي قد تساعد الصحفيين والمواطنين على اكتشافها.
وتشير إلى أن من أبرز هذه المؤشرات وجود تشوهات في التفاصيل الدقيقة، مثل اليدين والأصابع، إذ قد تبدو الأصابع متداخلة أو غير طبيعية، كما قد يظهر ملمس الجلد أو الأطراف وكأنه مصنوع من البلاستيك أو يشبه الدمى. لذلك، تنصح دائماً بتكبير الصورة والتدقيق في هذه التفاصيل.
وتضيف أن من وسائل التحقق أيضاً مقارنة الصورة بالحدث الحقيقي. فعند تداول صورة يُزعم أنها توثق لقاءً بين شخصيات سياسية أو حدثاً معيناً، ينبغي البحث عن مصادر موثوقة وصور أصلية للحدث ومقارنتها بما يتم تداوله، للتأكد من صحة الادعاء.
وتؤكد حمادة أنه لا توجد حتى اليوم أداة قادرة على الجزم بنسبة 100% بأن الصورة أو الفيديو مولدان بالذكاء الاصطناعي، إذ تتطور تقنيات التوليد بوتيرة أسرع من أدوات الكشف، ما يجعل الاعتماد على الفحص البشري، وتحليل السياق، والمقارنة مع المصادر الموثوقة، ركائز أساسية في عملية التحقق.
وتستشهد بصورة انتشرت لأطفال نائمين داخل خيمة في غزة على أرض موحلة بعد هطول الأمطار. فعلى الرغم من أن الصورة بدت واقعية للوهلة الأولى، فإن التدقيق في تفاصيلها، ولا سيما الأقدام وبعض ملامح الأطفال، كشف وجود عناصر غير طبيعية تشبه البلاستيك، ليتبين لاحقاً أنها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
وتوضح أن منصة “صواب” واجهت انتقادات بعد نشر نتائج التحقق، إذ اعتقد بعض المتابعين أن نفي صحة الصورة يعني إنكار المعاناة الإنسانية في غزة، بينما كان الهدف التأكيد على أن كشف زيف صورة معينة لا ينفي حقيقة الأحداث على الأرض، بل يحمي الحقيقة من التضليل والاستغلال.
وتختم بالتشديد على أن استخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في القضايا الحساسة قد يمنح الأطراف المختلفة فرصة للتشكيك في الوقائع الموثقة، لذلك يبقى الاعتماد على الصور الحقيقية والموثقة أكثر أهمية ومصداقية من استخدام صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، مهما بدت واقعية، حفاظاً على دقة التوثيق ومصداقية العمل الصحافي.
إذا، كشفت الحروب المعاصرة أن الثورة التي حملها الذكاء الاصطناعي لم تكن مجرد تطور في أدوات الإنتاج البصري، بل تحولت إلى تحدٍ عميق يطال مفهوم الحقيقة ذاته. فالصورة التي كانت شاهداً صامتاً على الواقع أصبحت قادرة على اختلاق واقع بديل بالكامل، ما جعل التضليل البصري أكثر سرعة وتأثيراً وانتشاراً من أي وقت مضى.
لقد أثبتت الحرب أن الصورة لم تعد دليلاً كافياً على الحقيقة، بعدما جعل الذكاء الاصطناعي التلاعب البصري أكثر احترافية وتعقيداً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة التحقق والتدقيق الرقمي، لأن حماية الحقيقة لم تعد مسؤولية الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وحدهم، بل أصبحت مسؤولية جماعية لحماية الوعي العام من الخداع الرقمي.



