
تحسم صحيفة نيويورك تايمز بأن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدو مترددا وبلا خيارات”. وبأنه “شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. فهو يتباهى بأنه يُبقي الحلفاء والخصوم في حالة ارتباك دائم”.
واقع الأمر أن ما يميّز الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن غيره من الرؤساء الأميركيين أنه يلجأ إلى “الخيار العسكري” الذي كان أسلافه يترددون من الإقدام عليه.
وتجزم “نيويورك تايمز” بأن الرئيس ترامب مصاب حاليا بإحباط شديد ما يجعل سلوكه أكثر تقلّبا وتنسب ذلك إلى مصادر من مساعديه المباشرين. فأحد المتخصصين في شؤون الشرق وهو الديبلوماسي السابق آرون ديفيد ميلر في تعليق له على نسف الرئيس دونالد ترامب للإتفاق التاريخي الذي وقّعه وزير الطاقة الأميركي مع المملكة العربية السعودية لتزويدها بتكنولوجيا الطاقة النووية بعد أقل من ٢٤ ساعة في خطوة فاجأت السعوديين إذا لم تنضم إلى “الإتفاقات الإبراهيمية وتعترف باسرائيل”. في تعليقه يستنتج بأن ترامب أغضب السعوديين وأسعد بنيامين نتنياهو ومنح ايران مادة دعائية قوية لتقول أن “إبرام الصفقات مع الولايات المتحدة مهمة عبثية لأنها قد تنقضي في أي لحظة”.
والملاحظ أن رئيس الحكومة الاسرائيلية وقبل ذهابه إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أنه لن يخضع للضغوط الأميركية التي تطالبه بالإنسحاب العسكري من لبنان وسوريا وغزة. وهو يراهن هنا على “تردد” سيد البيت الأبيض واستدراجه من جديد إلى معاودة الحرب على ايران باعتباره يملك “معلومات دقيقة وخطيرة” عن قدرات طهران النووية وعن عدم صوابية السياسة الأميركية في لبنان وسوريا وغزة وعن خطأ الرهان الأميركي على تركيا في المنطقة وضرورة عدم تزويدها بطائرات ف.٣٥.
حسابات نتنياهو ليس بالضرورة أن يستجيب لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهي حسابات تلقى اعتراضات دولية كبيرة بحكم انتهاك حكومة اسرائيل للقوانين الدولية وحقوق الإنسان وسياسات العقاب الجماعي وتدمير المساكن وتجريف الأراضي في غزة والجنوب اللبناني وإقامة المستوطنات في الضفة الغربية.
كما أن هذه الحسابات لا تلتقي والتوجه الأميركي الذي يعتبر اسرائيل صناعة غربية وأميركية في المنطقة ينبغي أن لا تعترض على الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط ودوله. وهي استراتيجية تضمن وجود اسرائيل خارج سياسات التوسع الجغرافي والهيمنة السياسية خصوصا وأن الرئيس ترامب يراهن على دور مركزي لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان في تلبية الإحتياجات الأميركية في لبنان وسوريا والعراق وفي تشكيل “حائط صد” للنفوذين الروسي والصيني. وهذا أمر لا يمكن لنتنياهو أن يوفّره. وفي هذا السياق فإن اعتراضات الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون ومعه المؤسسة العسكرية اللبنانية على ممارسات الجيش الاسرائيلي في الجنوب اللبناني واعتبارها مخالفة لصيغة الإطار الثلاثي الأميركي-اللبناني-الاسرائيلي هي في مكانها وخصوصا أن الرئيس اللبناني ملتزم بالرهان الأميركي وما يوجبه من ضمانات أميركية تحمي السيادة اللبنانية وتوفّر الإنسحاب الاسرائيلي المتدرّج من كامل الجنوب اللبناني مع تأمين انتشار الجيش اللبناني.
والحقيقة أن هناك هامشا متاحا للعبث الاسرائيلي إلى حين، يرتبط بالإنتخابات الاسرائيلية. وهذه ناحية قد يراعيها الرئيس ترامب بشروط معيّنة. وخصوصا أن انفتاحا ايرانيا على القبول بمعاودة المفاوضات وعلى ترتيبات الإستقرار والسلام الأميركي في المنطقة التي تعتبر طهران أن العائق أمامها هو السياسات الاسرائيلية التي تمتلك سلاحا نوويا ومشروعا لتفتيت المنطقة والهيمنة على دولها. وهذا ما لا ترتضيه لا ايران ولا تركيا ولا مصر ولا الدول الخليجية ولا روسيا ولا الصين ولا أيضا دولة أميركا العميقة. فواشنطن رسمت من جديد لتحالف أمني وشراكات مائية ونفطية بين العراق وتركيا ولخطوط إمداد نفطية جديدة ليس ليخربها نتنياهو بحسابات اسرائيلية قصيرة النظر… وهذه ناحية توقّف طويلا عندها في بحث معمّق وجدي “مركز بابل للدراسات”.



