
في 22 نيسان/أبريل 2026، قُتلت الصحافية في جريدة الأخبار آمال خليل وأُصيبت المصوّرة زينب فرج في هجوم إسرائيلي في بلدة الطيري، جنوب لبنان، بعد خمسة أيّام من إعلان الإدارة الأميركيّة هدنة مؤقّتة بين لبنان وإسرائيل. الجيشُ الإسرائيليُّ صرّح عن استهدافه “مُخرِّبين” وأصرَّ أنّه لا يستهدف صحافيّين. فما الذي حصل في ذلك اليوم؟ هل كانت آمال ضحيّة جانبيّة لأعمال عسكريّة أم أنّها استُهدِفت وقُتلت عمدًا؟
حقّقنا في الحادثة بناءً على شهادة زينب فرج وشهادات أخرى قاطعناها مع صور وفيديوهات وسجلّات اتّصالات. أعدنا بناء أحداث 12 ساعة من ذلك اليوم، منذ أن بدأت آمال تغطيتها الصحافيّة في جنوب لبنان حتّى انتشال جثمانها من تحت ركام مبنى في الطيري. ووجدنا أدلة كافية تؤشر إلى قتل الجيش الإسرائيلي آمال عمدًا مع علمه بصفتها المدنية والصحافية. وهذا ما حملنا إلى توصيف مقتلها بعملية اغتيال وجريمة حرب تستوجب التحقيق تمهيدًا للمحاسبة.
أنتجت “المفكّرة القانونية” هذا التحقيق في إطار توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية المحتملة على الأراضي اللبنانية وبالشراكة مع اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان. ويأتي في إطار الجهود الرامية إلى كشف الحقائق وتفنيد المعلومات المضلّلة والادّعاءات التي ترافق الجرائم الإسرائيلية في لبنان، وانطلاقًا من اهتمام “المفكرة” بإنتاج ونشر محتوى مهني ومتخصّص يُسهم في توثيق هذه الانتهاكات وإتاحة المعلومات حولها للرأي العام.
اعتمد التحقيق على تحليل المصادر المفتوحة، وشهادات مباشرة ومواد بصرية خاصّة تشمل صورًا ومقاطع فيديو غير منشورة سابقًا جُمعت خصيصًا لأغراض هذا التحقيق. وقد أُنجز العمل تحت إشراف مختبر نوى ميديا، مستفيدًا من خبراته وموارده في تحليل المواد الرقمية والبصرية والتحقق منها.
وجد التحقيق أنّ مقتل آمال لم يأت كضرر جانبي لعمل عسكري منفرد أو لأعمال عسكرية متسارعة، بل جاء نتيجة سلسلة من ثلاث هجمات متتابعة وقعت في غضون نحو ساعتين. وخلال تلك المدّة كان الجيش الإسرائيلي يراقب الأحداث الميدانية بشكل مستمّر عبر المسيّرات، وكان على علم بوجود صحافيتين في الموقع.
قُتلت آمال في غارة إسرائيلية جوية استهدفت مبنى مكوّنًا من ثلاث طبقات سوّته أرضًا في بلدة الطيري، قضاء بنت جبيل التجأت إليه مع زينب. ولم يكن وجودهما في المبنى خيارًا، بل جاء بعد تعرّض سيارتهما وسيارة أخرى مرافقة لهما لهجمتين متتاليين خلال تنقّلهما في مهمّة صحافية لتغطية تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي للقرى الجنوبيّة.
الهجمة الأولى حصلت عبر مسيّرة استهدفت السيارة المرافقة، ما أدى إلى مقتل مختار بنت جبيل علي بزي وشاب يرافقه يدعى محمد الحوراني. وبعد خروج آمال وزينب من سيارتهما، استهدفت الهجمة الثانية السيّارة مما دفعهما إلى الاحتماء داخل مبنى مجاور.
حصلت الهجمات الثلاث خلال ساعتين وترافقت مع محاصرة الجيش الإسرائيلي للصحافيّتين عبر المسيّرات، وعرقلته وصول فرق الإسعاف إلى موقع الهجوم رغم إبلاغه بطلب لإجلاء ضحايا من الصحافة. فقد أخّر الجيش الإسرائيلي منح الموافقة على الطلب لنحو ساعتين إلّا ربعٍ، واضطرّ فريق الإنقاذ للانسحاب من الموقع تحت التهديد وبعد إنقاذ زينب من تحت ركام المبنى. ولم يتمكن الفريق من إنقاذ آمال التي أثبت تقرير طبي أنّ قلبها توقّف بعد نحو ساعة من انسحابهم.
واضطّرت فرق الإسعاف للانتظار مجددًا لنحو ساعتين إلّا ثلث للحصول على الموافقة الإسرائيلية، قبل العودة إلى موقع الهجوم وانتشال جثمان آمال من تحت الركام. وقد عبَّرت شهادات عدد من المتابعين ميدانيًّا لأحداث ذلك اليوم عن انطباعهم بأنّ الجيش الإسرائيليّ “كان يريد قتل آمال”.
أقرّ الجيش الإسرائيلي في بيان أنّه هاجم إحدى السيارتين والمبنى. وبرّر هجومه بأنّ قوّاته رصدت “مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله” مدّعيًا أنّ “مخرّبين” عبروا “نحو خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوّات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا لها”. كما ادّعى أنّه “لا يمنع وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة”، ولا “يستهدف الصحافيين بأي شكل من الأشكال”. ثم برّر لاحقًا بأنّه استهدف المرافقين بزي والحوراني.
يحاول هذا التحقيق إعادة بناء الجريمة وتبيان سياقها وتقييم الرواية الإسرائيلية وتفنيدها بالوقائع والأدلّة المتاحة. ويخلص إلى أنّ الأدلة المتوّفرة تشير إلى تعمّد قتل آمال من خلال استهداف الصحافيّتين وعرقلة إنقاذهما مع العلم بصفتهما المدنية والصحافية، مما يشكّل جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر شنّ الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية وإعاقة حركة فرق الإغاثة والقتل العمد للأشخاص المشمولين بحماية اتفاقيات جنيف.
ومع اغتيال آمال، فقد لبنان مراسلة ميدانيّة استثنائيّة يعرفها أهل الجنوب وتعرفهم جيّدًا، مراسلة دخلت قراهم وبيوتهم ونقلت قصصهم الجماعية والفردية، لتصبح جزءًا من نسيجهم الاجتماعي وذاكرتهم الحيّة. هذا ما جعل مقتلها جزءًا لا يتجزّأ من النهج الإسرائيلي لمحو الجنوب أرضًا وناسًا وبيوتًا وتراثًا. وتحوّلت آمال أيضًا إلى مصدر رئيسي لتوثيق أخبار الجنوب والانتهاكات الإسرائيلية ومرجع للصحافيين والباحثين والمتابعين لشؤونه، ما جعل اغتيالها أيضًا جزءًا من النهج الإسرائيلي في طمس الحقائق من خلال قتل الصحافيين الشهود على جرائمها.
المنهجية
استند التحقيق إلى تحليل محتوى بصري مفتوح المصدر نُشر حول الحادثة، وإلى صور ومقاطع فيديو حصلت عليها “المفكرة” التقطت يوم الهجوم وتمّ التحقّق منها، فضلًا عن مواد بصرية لموقع الهجوم قبل الهجوم وبعده من مصادر مفتوحة وأخرى خاصّة، وصور من “خرائط غوغل” و”غوغل إيرث”، وتحليل صور أقمار اصطناعية حديثة.
كما اعتمد التحقيق على 13 مقابلة مع شهود على الحادثة، بينها شهادات مباشرة للناجية زينب فرج ومسعفين وصلوا إلى موقع الهجوم، وشهادات لأشخاص آخرين من صحافيين وأفراد من عائلتي الزميلتين، كانوا على تواصل معهما في مراحل مختلفة من يوم الهجوم، فضلًا عن معلومات من مصادر في الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني وقوّات الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
قاطعنا الشهادات مع بعضها البعض، وحلّلنا الطابعين الزمني والجغرافي للصور ومقاطع الفيديو، وربطنا الأدلّة الرقمية بالإفادات والشهادات المتوافرة، وصولًا إلى إعادة بناء تسلسل الأحداث زمنيًا وجغرافيًا، بما يتيح تقديم أدلة موثوقة حول أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب.
يتضمّن التحقيق ثلاثة أقسام: الأوّل يعيد بناء أحداث الجريمة بدءًا من رحلة آمال وزينب من صيدا إلى الطيري مرورًا بالهجمات الإسرائيلية في الطيري وصولًا إلى أعمال الإنقاذ، والقسم الثاني يقدّم سياقًا أوسع للجريمة والقسم الثالث يقدّم تحليلًا للجريمة من منطلق قانوني.
القسم الأوّل: إعادة بناء الجريمة
1. رحلة آمال وزينب من صيدا إلى الطيري
أعدنا بناء سيناريو تحرّكات آمال قبل وصولها إلى بلدة الطيري بناء على مواد بصرية وشهادات استمعنا إليها من كلّ من المصوّرة الصحافية زينب فرج التي كانت ترافقها، ومراسل قناة الميادين جمال الغُربي والمسعف في الدفاع المدني اللبناني موسى شعلان اللذين التقت آمال بهما في ذلك اليوم وبقيت على تواصل معهما طيلة النهار. فتبيّن أنّ آمال وزينب انطلقتا من صيدا صباحًا وتوقفتا أوّلًا في عين بعال، قضاء صور، حيث صوّرتا تشييعًا من ثمّ توجّهتا إلى قانا، قضاء صور، حيث صوّرتا شهادة مع ابن شهيد في هجوم إسرائيلي. ومن ثمّ انطلقتا إلى مستشفى تبنين في بلدة تبنين، قضاء بنت جبيل، حيث التقتا بمختار بنت جبيل علي بزّي والشاب محمد الحوراني اللذين رافقاهما من تبنين إلى الطيري مرورًا بكونين.
عين بعال: تصوير تشييع
تقول زينب فرج في شهادتها لـ “المفكرة” إنّها وآمال صوّرتا تشييع الحاجة خيرية عبد الحسين بعلبكي في عين بعال، قضاء صور. قاطعنا شهادة زينب عبر البحث عن تشييع في البلدة في هذا اليوم، فوجدنا منشورًا على حساب الموقع الرسمي لبلدة عين بعال على فيسبوك في 21 نيسان يتضمّن دعوة إلى تشييع الحاجة نفسها في جبّانة البلدة يوم الأربعاء 22 نيسان الساعة 11:30 صباحًا بالتوقيت المحلي للبنان وهو التوقيت الذي سنعتمده طوال هذا التحقيق.
في 22 نيسان، نشر الحساب، فيديو من التشييع يظهر فيه النعش وعليه صورة الحاجة خيرية. وقد حصلت “المفكرة” على صورة من هاتف أحد المشاركين، تظهر فيها آمال قرب نعش محمول وعليه الصورة نفسها للحاجة خيرية، وهي ترفع هاتفًا بيد وباليد الأخرى ميكروفون يبدو عليه لوغو يتشابه مع لوغو جريدة الأخبار التي تعمل آمال لصالحها.

قانا: تغطية على الطريق العام
يتبيّن من شهادَتَيْ زينب فرج والمسعف موسى شعلان والمواد البصرية التي حصلت عليها “المفكرة”، أنّ آمال وزينب مرّتا ببلدة قانا حيث أجرت آمال مقابلة في مكان مفتوح على الطريق العام جنب محمصة “الشهيد دعيبس” مع ابن شهيد في هجوم إسرائيلي على منزله. وحصلت “المفكرة” من شقيقة زينب وفيقة على مقطعَيْ فيديو أرسلتهما زينب إلى مجموعة العائلة على “واتساب”، أحدهما عند الساعة 12:26 قائلة إنّها “الآن” في قانا.
يُظهر أحد المقطعين آمال في المقدمة ووراءها زينب التي يبدو طرف حجابها، وهما تسيران في موقع ركام مبنى. وتظهر في إحدى اللقطات واجهة محل مكتوب عليه “محمصة الشهيد عباس دعيبس”. وبعد البحث عن الاسم على فيسبوك يتبيّن أنّها نفسها “محمصة البستان” وتقع في قانا، الطريق العام (الخشنة) صور، حسب بيانات حساب المحمصة على فيسبوك.
يظهر المسعف موسى شعلان بوضوح في أحد مقطعي الفيديو اللذين أرسلتهما زينب إلى عائلتها من قانا. تقاطَع توقيت إرسال الفيديو مع شهادة موسى الذي كان يتواجد في قانا آنذاك، إذ أخبر “المفكرة” أنّه عند الساعة 12:18 كما يظهر من بيانات هاتفه، اتصلت به آمال وأخبرته أنّها في قانا ونسّقا من أجل إجراء مقابلة مع شخص فقد والده خلال هجوم إسرائيلي، وأنّها بقيت حوالي الساعة هناك.

تبنين: الالتقاء ببزي والحوراني أمام المستشفى الحكومي
من قانا انتقلت زينب وآمال إلى بلدة تبنين حيث التقتا بعدد من الصحافيين في الباحة الخارجية لمستشفى تبنين الحكومي بحسب الشهادات التي استمعت إليها “المفكرة”. ويُعدّ المستشفى نقطة وصول وتغطية إعلامية للصحافيين في الجنوب وتصل إليه جثامين ومصابو الفرق الإسعافية والمدنية.
وبحسب الشهادات، التقت آمال وزينب في مستشفى تبنين بمختار بنت جبيل علي بزي الذي كان برفقة ابنه نبيل وابنته منى (تتراوح أعمارهما بين 13 و15 سنة)، والشاب محمد الحوراني.
وقد حصلت “المفكرة” على مقطع فيديو التقط من هاتف خاص يُظهر آمال وزينب في سيّارتهما، وهي من نوع تويوتا كورولا سوداء اللون، وأمامهما سيّارة بزي والحوراني أثناء خروجهم من بلدة تبنين. وحسب البيانات الوصفية للفيديو فقد التُقِط في 22 نيسان الساعة 13:56.
تظهر في الفيديو لافتات طُرُق منها ما يُشير إلى “معهد تبنين” ومنها إلى قرية “بيت ياحون” و”مركز قدوح”. وبالبحث في عدد من مقاطع فيديو صوّرت في تبنين على وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظنا تطابق المعالم نفسها في مقطع نُشر على صفحة “ملتقى أبناء تبنين” على فيسبوك.
وبمراجعة مقطع فيديو “ملتقى أبناء تبنين” يتبيّن أنّ مكان تصوير الفيديو الذي تظهر فيه آمال قريب من محطّة وقود Phoenicia التي تبعد حوالي 67 مترًا عن مستشفى تبنين الحكومي.

يتقاطع توقيت تصوير الفيديو قرب مستشفى تبنين مع شهادة الصحافي جمال الغربي الذي مشى مع آمال إلى سيارتها أمام مستشفى تبنين قبل أن تتوجّه إلى الطيري. وقال في شهادته إنّه ودّعها عند حوالي الساعة 13:50 ظهرًا.
تُفيد زينب أنّ آمال قرّرت التوّجه إلى بلدة الطيري لتصوير أعمال التجريف في بنت جبيل بعد علمها بانسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدة. وتُضيف أنّه لم يكن من المخطّط أن يتوجّه المختار بزي والحوراني معهما إلى الطيري، ولكن عندما عرفا أنّ آمال متوجّهة إلى هناك، رافقاها، كونهما من بنت جبيل وغالبًا ما يذهبان إلى الطيري المطلّة على مدينتهما، مشيرة إلى أنّ المختار ترك ولديه في تبنين على أساس أن يأخذهما عندما يعود من الطيري.
وعلي نبيل بزي هو مختار في بنت جبيل تربطه علاقة قرابة بزينب، لديه ثلاث أولاد: (نبيل ومنى ونور، 15، 13، 6 سنوات على التوالي) يملك محطة بنزين في المدينة. أما الحوراني (27 عامًا) فهو مدرّب شخصي كان يعمل في ناد رياضي في بنت جبيل قبل الحرب، وكان مقرّرًا أن يعقد قرانه في اليوم نفسه بحسب عائلته.
كونين: تصوير على الطريق العام
تذكر زينب في شهادتها أنّها وآمال وكذلك المختار ومحمد توقّفوا في طريقهم إلى الطيري، في بلدة كونين، والتقطوا بعض الصور على الطريق العام، وصوّرت آمال وقفة أمام الكاميرا stand up في كونين في مكان مفتوح. وتقول زينب إنّ المكان الذي توقّفت فيه يُعرف بـ “الكوع القوي” (المنعطف القوي) في البلدة مقابل مفرق برعشيت، وإنّهم عبروا من كونين إلى الطيري عبر طريق مختصر مليء بالأشجار من دون المرور من نقطة الجيش في حداثا.
ومن خلال “غوغل إيرث” وجدنا أنّ أقرب موقع للمواصفات المذكورة في شهادة زينب هو الطريق الرابط بين كونين والطيري بين إحداثيّتي 33.148365, 35.426571 و33.142976, 35.410727.

2. الهجمات الثلاث في الطيري
شنّ الجيش الإسرائيلي ثلاث هجمات في الطيري أثناء تواجد الصحافيّتين، الأولى من مسيّرة على السيّارة التي تُرافقهما ما أدّى إلى مقتل المختار علي بزي والشاب محمد الحوراني، والثانية من مسيّرة على سيارة آمال بعدما كانتا ترجّلتا منها، والثالثة بغارة من طيران حربي على المبنى الذي لجأتا إليه للاحتماء من الهجمات.
الهجمة الأولى: السيارة المرافقة
يقول الصحافي جمال الغربي إنّ آمال اتصلت به عند الساعة 14:31 لتخبره بالهجوم الذي تعرّضت له السيارة المرافقة لها وطلبت منه التواصل مع الإسعاف. ويقول المسعف موسى شعلان إنّه تلقى أيضًا اتصالًا من آمال عند الساعة 14:36 تُخبره بالأمر نفسه وطلبت الإسعاف أيضًا. اطّلعت “المفكرة” على سجلّ هذين الاتصالين، وتبيّن أنّ مدة كل اتصال كان 20 ثانية.
يتقاطع توقيت الاتصالين مع توقيت لقطة شاشة من اتصال فيديو أجرته وفيقة شقيقة زينب فرج معها بعد أن أخبرتها الأخيرة بتعرّض سيارة بزي والحوراني لغارة، والتوقيت يشير إلى 14:35. وتظهر في لقطة الشاشة سيارة محترقة قرب سيارة آمال وهي من نوع تويوتا كورولا سوداء اللون منحرفة عن الطريق.

في هذه الأثناء بدأت مواقع إخبارية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تورد أنباءً حول استهداف سيارة كانت تقلّ صحافيين في بلدة الطيري. بالبحث عن أوّل البلاغات، وجدنا منشورًا على قناة موقع بنت جبيل على “تلغرام” الساعة 14:45 يُفيد بتعرّض البلدة لقصف مدفعي. عند الساعة 14:50، أشارت القناة إلى “وجود تفاوت في المعلومات عما إذا كان قصف مدفعي أو غارة من مسيرة استهدفت سيارة حيث كان يتواجد بعض الصحافيين والمدنيين وتسجيل عدة إصابات”.


توالت البلاغات عن الحادثة، وعند الساعة 14:58 ذكرت قناة “بنت جبيل” مجددًا على تلغرام أنّ “فريقًا إعلاميًا ينجو من الاعتداء الإسرائيلي على بلدة الطيري وبحسب معلومات موقع بنت جبيل ينتظر الفريق وصول مسعفين من الصليب الأحمر اللبناني حيث يوجد إصابات بينهم والمسيّرة الإسرائيلية تحلّق في الأجواء”، وتبعتها جريدة الأخبارعند الساعة 15:12 التي أشارت إلى استهداف “سيارة على طريق الطيري بالقرب من مكان تواجد عدد من الصحافيين من بينهم الزميلة آمال خليل والطاقم المرافق لها ولم يسفر هذا الاعتداء عن تعرّض الصحافيين لأي أذى”.
ولتحليل الوقت المتوقّع لوصول آمال وزينب إلى موقع الهجوم، انطلقنا من توقيت مغادرتهما مستشفى تبنين الحكومي وهو الساعة 13:56، ثم قسنا المسافة بين تبنين والطيري مرورًا بكونين من أكثر طريق تتناسب مع وصف زينب، وهي حوالي 8.8 كيلومترًا بالسيارة والتي تستغرق عادة 13 دقيقة من دون احتساب التوقف في كونين.

بذلك يمكن تقدير الوقت المحتمل للهجوم الأوّل على السيارة المُرافقة للصحافية آمال خليل بين الساعة 14:09 الحد الأدنى لوقت وصولهم إلى الطيري و14:31 توقيت الاتصال الأوّل الذي أجرته آمال مع جمال.
وبحسب شهادات كلّ من زينب فرج وشقيقتها وفيقة وموسى وجمال وعلي خليل شقيق آمال، لم تُصب زينب وآمال بأذى جرّاء هذا الاستهداف.
يتقاطع كلّ ما تقدّم مع محتوى رسالة صوتية أرسلتها آمال عند الساعة 14:56 إلى مجموعة عائلتها على واتساب. وقالت آمال في الرسالة التي زوّدنا بها شقيقها علي: “أنا منيحة ومعي الصبيّة زينب فرج، يلي صار إنو ضربوا السيارة يلي كانت ماشية قدامنا، بس ما بدي اتحرّك من هون، ناطرة اليونيفيل والصليب الأحمر”.
تروي زينب أنّه بعد استهداف السيّارة المرافقة لهما التي كانت أمامهما مباشرة على بعد لا يتجاوز عشرة أمتار، انحرفت سيّارة آمال باتجاه مبنى مجاور، فنزلتا من سيّارتهما مسرعتين من دون الدرع والخوذة الخاصّة بالصحافة، نحو حافة حجرية تقع على بعد أقل من مترين من سيّارتهما. وتقول إنّ المرافقين بزي والحوراني قد أصيبا في الهجوم ولم يترجلا من سيارتهما وهي تحترق.
وتضيف أنّه في هذه الأثناء لاحظت وجود مسيّرة إسرائيلية كبيرة ومسيّرتين أصغر حجمًا اقتربتا من وجهيهما. وتذكر زينب أنّها وآمال فكّرتا أيضًا في العودة إلى السيّارة بهدف مغادرة المكان ولكنّ المسيّرات شكّلت تهديدًا لهما. وتحدّثت عن الرعب الذي شعرت به: “المسافة بين المسيّرة الصغيرة ووجهي كانت قريبة جدًا، كنت أغطي وجهي خوفًا من أن تنفجر، تذكّرت مقطع الفيديو الذي انتشر سابقًا عن الشاب الذي انفجرت في وجهه درون في عيناثا، كانت ترعبني، الدرون هدفها تحرقلي أعصابي”.
ويرّجح بناء على وصف زينب أنّ المسيّرات المتواجدة في الموقع كانت من نوع “كواد كوبتر” (Quadcopter drone).
الهجمة الثانية: سيارة آمال
يقول مراسل الميادين جمال الغربي في شهادته لـ “المفكرة” إنّه اتصل بآمال عند الساعة 15:41 وأخبرته أنّها أُصيبت جرّاء هجوم استهدف سيّارتها من دون أن تحدّد طبيعة إصابتها. كما يؤكّد المسعف موسى في شهادته لـ “المفكرة” أنّه اتصل بآمال عند الساعة 15:48 وأخبرته بالأمر نفسه و”بوجود مسيّرة فوق رأسها”، وأنّه لاحظ خلال الاتصال “تغيّر صوت آمال”. وأضاف أنّه اتصل بآمال قبل ذلك، وتحديدًا عند الساعة 15:21، ولم تخبره حينها باستهداف سيّارتها، مما يرّجح أنّ الغارة الثانية حصلت بعد هذا التوقيت.
وظهرت سيارة آمال في صورة التُقطت ليلًا بعد الحادثة وهي في وضعية مشابهة نسبيًا لاصطفافها أمام المبنى بعد الهجوم الأوّل على السيارة المرافقة، حيث تبدو أكثر تضرّرًا وبدت عليها آثار احتراق، ما قد يُعزّز فرضية استهدافها بشكل منفصل وليس فقط تضرّرها من جرّاء الهجمتين على سيارة المختار والمبنى.

أوّل البلاغات الإخبارية عن الهجمة الثانية تعود لموقع قناة “الميادين” الذي تحدّث عن اعتداء إسرائيلي على بلدة الطيري للمرة الثانية عند الساعة 15:48 بالتوقيت المحلي للبنان.
ثمّ عند الساعة 16:06، ذكرت قناة الميادين في خبر عاجل وقوع “إصابات بينهم صحافيون في عدوان طيران الاحتلال للمرة الثانية على الطيري” وأنّ “قوّات الاحتلال تمنع سيارات الإسعاف من الوصول”.
بذلك يُمكن تقدير الوقت المحتمل للهجمة الثانية على سيارة آمال خليل ما بين الساعة 15:21 توقيت آخر اتصال لآمال بموسى قبل أن تبلغه بالغارة على سيارتها و15:41 توقيت إبلاغها زميلها جمال باستهداف سيارتها.
تُشير زينب إلى أنّها وآمال أُصيبتا إصابة طفيفة إثر استهداف السيّارة، إذ دخلت شظايا في رجل زينب أثّرت على حركتها، كما شعرت بألم في أذنها بسبب قوّة الصوت. أمّا آمال فقالت زينب إنّها رأت إصابة في الجانب العلوي من يدها وفي رجلها رجّحت أنّهما من الشظايا، مع الإشارة إلى أنّها وآمال كانتا لا تزالان قادرتين على الحركة والكلام.
وإذ تؤكّد زينب أنّ المسيّرات الإسرائيليّة لم تفارق الموقع لحظة، تذكر أنّه بعد استهداف سيّارة آمال بقيتا جالستين على الأرض مستندتين إلى الحافة، مشيرة إلى أنّها حاولت قطع نفسها حتّى يظنّ الجيش الإسرائيلي أنّها ميتة فلا يستهدفها.
وتضيف أنّ سيارة آمال اشتعلت بعد استهدافها وطار دفاعها إلى مكان قريب من الحافة التي كانتا تستندان إليها أمام المبنى، وأنّهما حاولتا الاحتماء به من النيران ولكنه سرعان ما أصبح حارًا. عندها، فتحت زينب بابًا رأسيًا جرّارًا قابلًا للف roller door في الطابق الأرضي للمبنى، وكان الباب متضرّرًا، ودخلت هي وآمال إلى غرفة رأت فيها مراطبين مؤونة وعبرتا منها إلى الجهة الخلفية حيث وجدتا غرفة صغيرة وبقيتا فيها، وهو المكان الذي وُجدتا تحت ردمه لاحقًا حسب شهادات من فرق الدفاع المدني.
وفي هذه الأثناء كانت آمال، حسب زينب، تُجري اتصالاتها بأشخاص تعرفهم في جهات إسعافية وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل – UNIFIL)، لإنقاذهما.
الهجمة الثالثة: المبنى
في داخل المبنى، تقول زينب إنّها كانت لا تزال تسمع المسيّرات التي بدت لها كأنّها كانت تتحرّك حول المبنى بشكل دائري. وتضيف أنّها شعرت بالتعب وبانخفاض ضغطها فأخبرت آمال أنّها ستنام، وإنّها رأت آمال متعبة جدًا. فقدت الوعي حينها، وتقول إنّها لم تستيقظ إلّا حين كانت تختنق من التراب وتشعر بثقل الحجارة عليها والحجاب يغطي فمها.
أشار موسى في شهادته، إلى أنّه بينما كان ينتظر مع فريق إسعاف السماح لهم بالوصول إلى موقع الهجوم، عند نقطة الجيش اللبناني على طريق حداثا القريبة من مكان تواجد آمال وزينب، سمع دوي انفجار، حيث أغارت طائرة إسرائيلية حربية على البلدة. ورجّح حينها أنّ الغارة استهدفت آمال وزينب.
وحصلت “المفكرة” على مقطع فيديو صوّره مُسعف عند الساعة 16:25 من موقع انتظار الإسعاف يُسمع فيه صوت غارة بوضوح.
بعد دقيقتين أي عند الساعة 16:27، التقطت مراسلة “الجزيرة” كارمن جوخدار (وهي ضحية هجوم إسرائيلي سابق استهدف صحافيين) المتواجدة في بلدة رميش صورة لدخان غارة على منطقة الطيري، وقالت في رسالة إخبارية إنّها سمعت وشاهدت بأم العين مقاتلة حربية إسرائيلية وهي تُغير على المنطقة وصوّرتها. وقالت كارمن إنّه تبيّن لاحقًا أنّ هذه الغارة “كانت على منزل تتواجد فيه الزميلتان آمال وزينب”.

بذلك يُمكن تحديد وقت الغارة الثالثة عند الساعة 14:25.
ولم يُرافق تلك الغارة أيّ بلاغات عنها على وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي حيث تركّزت الأخبار على حصار الصحافيتين في البلدة وتعذُّر وصول فرق الإسعاف إلى موقع الحادثة.
ويُظهر سجّل اتصالات عائلة آمال معها الذي اطلعت عليه “المفكّرة” أنّ شقيقتها زينب تواصلت معها عند الساعات 15:52 و16:13 و16:19، وكان آخر اتصال عند الساعة 16:22 وكانت آمال تؤكّد أنّها بخير وتتحدّث بطريقة طبيعية.

وأظهر سجل الاتصالات الذي اطّلعنا عليه من شقيقة زينب فرج، وفيقة، تواصُلهما عن طريق هاتف آمال آخر مرة عند الساعة 15:53 واستمر الاتصال دقيقة واحدة.
الموقع الجغرافي للمبنى المستهدف
بمراجعة المحتوى البصري المنشور حول الحادثة، بالإضافة إلى المواد البصرية التي حصلت عليها “المفكرة” من فرق الإنقاذ والشهود، تمّ تحديد الموقع المحتمل للهجوم في بلدة الطيري التابعة لقضاء بنت جبيل في محافظة النبطية جنوبي لبنان. وتبيّن أنّ الغارة التي أدّت إلى مقتل آمال استهدفت مبنى مؤلفًا من ثلاث طبقات يقع عند إحداثية 33.138286, 35.413573.
توصّلنا إلى هذه النتيجة عبر مطابقة القرائن الظاهرة في المعالم البصرية منها لقطات شاشة من اتصال فيديو بين زينب وشقيقتها بعد الهجوم على السيارة المرافقة، ومشاهد وردت في مقابلة أجرتها قناة “الميادين” مع ملكة شعيتو صاحبة المنزل المستهدف، ومقاطع أخرى صوّرت في الطيري قبل الحادثة وبعدها، منها رسالة إخبارية مصوّرة للمراسلة كارمن جوخدار في تاريخ 2 أيّار ترصد فيها الدمار في القرى الجنوبية وتذكر فيها بلدة الطيري، وفيديو وثّق الدمار في البلدة نُشر في 9 أيّار عبر صفحة “بنت جبيلون“. كما قارنّا هذه المواد البصرية مع صور من “خرائط غوغل” و”غوغل إيرث” وصور أقمار اصطناعية ملتقطة حديثًا حصلنا عليها عبر خدمة “OnGeo”، ومع شهادات من مسعفين ومن زينب ومن صاحبة المنزل.
في مطابقة المحتوى البصري، لوحظ في الصور ومقاطع الفيديو التي حصلنا عليها أثناء رفع الأنقاض ليلًا بعض المعالم الواضحة، منها عمود الكهرباء وحافة بيضاويّة الشكل منهارة لمبنى ملاصق مدمّر جزئيًا وشبابيك وشجر، فضلًا عن سيّارة بيضاء اللون تبدو من نوع Volkswagen Caddy Rapid 2000. بعض هذه المعالم بدت واضحة في فيديو مراسلة “الجزيرة” والمشاهد التي ظهرت في مقابلة “الميادين” مع صاحبة المنزل بعد وقوع الحادثة.

كما ظهر عمود الكهرباء وخزان مياه دائري علوي جليًا في بعض لقطات الفيديو التي حصلت عليها “المفكرة” عند وصول فريق الإسعاف في المرة الأولى إلى موقع الهجوم، بالإضافة إلى لقطات الشاشة التي حصلنا عليها من عائلة زينب فرج والمأخوذة خلال مكالمة فيديو بعد الهجوم الأوّل. وتتطابق المعالم مع فيديو “بنت جبيليون“.


كما اعتمدنا أيضًا على شهادة صاحبة المنزل في المقابلة مع “الميادين” حول وجود محل مؤونة في أسفل المبنى المستهدف أسّسته العائلة ويحمل اسم “مونة الدار”، وتظهر في التقرير واجهة المحل واللافتة التي تحمل اسمه. وعند البحث عن المحل في منطقة الطيري تبيّن أنّه يقع عند إحداثيّة 33.138286, 35.413573. وتشابهت المعالم البارزة المحيطة بالمبنى مع البصريات الظاهرة في محتوى الحادثة: الحافة البيضاويّة للمبنى المجاور شبه المدمّر، شكل الشبابيك وخزان المياه الدائري العلوي للبلدة وبعض المباني المحيطة. كما تطابقت المواصفات الخارجية للمبنى المُشار له في فيديو “الميادين” مع شهادة زينب، إذ يظهر السقف القرميدي والباب الجرّار. كما أكّدت زينب أنّها رأت مراطبين مؤونة ووصفت المكان من الداخل تمامًا كما ظهر في صوره التي عرضها الفيديو.

وأشارت زينب إلى أنّها وبعدما فتحت الباب الجرّار لم تستطع الدخول إلّا من خلال العبور من تحت طاولة كانت تسند الباب وعليها أثاث منزل، ومن بعدها دخلت إلى مكان تظهر فيه مراطبين المؤونة. وفيما ظهرت المراطبين في فيديو الميادين، أكّدت صاحبة المنزل ملكة شعيتو لـ “المفكرة” أنّها كانت تضع أثاثًا داخل المحل على طاولة لصق الباب.
وكذلك تحدّثت زينب عن تضرّر الباب الذي فتحته لدخول المبنى وعن مبنى مجاور متضرّر، وهذا ما أكدّته أيضّا المواد البصرية.

عند مقارنة صورة عبر خدمة OnGeo في تاريخ 22 نيسان 2026 الساعة 11:43 صباحًا بتوقيت لبنان أي قبل وقوع الهجوم بساعات، وصورة التقطت في تاريخ 23 نيسان 2026 الساعة 11:15 صباحًا يظهر واضحًا دمار المبنى المكوّن من ثلاث طبقات والذي عُثر على آمال وزينب تحت ردمه.

3. أعمال الإنقاذ
أظهر إعادة بناء الهجمات الإسرائيلية أنّ آمال وزينب لم تستطعا الخروج من الموقع المستهدف نتيجة تحليق المسيّرات واستهداف سيّارتهما وسيارة مرافقَيهما. ومنذ اللحظات الأولى التي تلت الهجمة الثانية في الطيري، بدأ الحديث عن عرقلة مساعي إسعاف آمال وزينب وحصارهما. لذلك حاولنا التثبّت من مدى عرقلة الجيش الإسرائيلي لهذه المساعي عبر تتبع نشاط الفرق الإسعافية المرتبطة بالحادثة من خلال معلومات مستقاة من مصادر عدّة معنيّة بالتنسيق الميداني للمهام الإسعافية، منها اليونيفيل والصليب الأحمر والدفاع المدني اللبناني وعناصر من الفرق الإسعافية.
وقد تبيّن أنّه في ظلّ استمرار الأعمال العدائية في الجنوب، تنسّق الفرق الإسعافيّة اللبنانية حركتها سواء عبر اليونيفيل التي تُنسّق بدورها مع الجانب الإسرائيلي لضمان خط سير آمن لسيارات الإسعاف، أو عبر الجيش اللبناني الذي يتواصل مع لجنة “الميكانيزم” وهيَ لجنة التنسيق التي أُنشِئت بموجب إعلان وقف الأعمال العدائيّة لعام 2024، وتضمُّ الولايات المتّحدة وفرنسا واليونيفيل، إلى جانب الجيشَين اللبنانيّ والإسرائيليّ.
وقد تبيّن أنّ الجيش الإسرائيلي حوّل آليّات التنسيق الميداني إلى طلب إذن يحتاج إلى موافقته قبل شروع الفرق الإسعافية بأي مهمّة في المناطق المحتلّة أو التي تشهد عمليات عدائية.
وكان الصليب الأحمر نشر شرحًا عن آليات عمله لتلبية النداءات الإنسانية وآلية تحريك طواقمه في المناطق الحدودية الجنوبية، في بيان أصدره في 28 آذار 2026. وقد أوضح فيه أنّه بسبب العمليات العدائية يُلزَم “إبلاغ اليونيفيل والانتظار لحين تأمين المسار الآمن لضمان الحماية لتنفيذ المهمّات”.
كما أوضحت المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني لـ “المفكرة” أنّ آلية وصول فرق الإنقاذ التابعة لها إلى مواقع الهجمات تعتمد على نظام تنسيق ميداني تشرف عليه قوات اليونيفيل والجيش اللبناني لضمان فتح ممرّات آمنة وتأمين عدم استهداف آليات وفرق الإسعاف والإطفاء أثناء تحرّكهم وتنقلهم على طرقات محدّدة.
لذلك تتبّعنا مسار تنسيق حركة فرق الإسعاف مع الجانب الإسرائيلي للوصول إلى بلدة الطيري في يوم الحادثة لإنقاذ آمال وزينب، وتبيّن أنّ الجانب الإسرائيلي تاخّر في منح الموافقة على طلبات التنسيق، كما اضطّر فريق الإسعاف إلى الانسحاب من موقع الهجوم من دون إنقاذ آمال والعودة إليه مجددًا.
الحصار والمناشدات
تُبيّن الشهادات التي استمعت إليها “المفكرة” أنّ الاستعدادات لتنفيذ مهمّة إسعافية في الطيري بدأت مباشرة بعد الهجوم الأوّل. فريق من الصليب الأحمر كان على أهبة الاستعداد للانطلاق من مركزه في تبنين الذي يبعد حوالي 8.5 كلم عن موقع الهجوم، بينما كان المسعف موسى ينتظر مع سيارتي إسعاف على بعد حوالي 2.6 كيلومترًا فقط عنه. ولكن لا الصليب الأحمر تحرّك ولا فريق موسى وصل إلى الطيري، إذ لم يُسمح لهما بذلك في انتظار الرد الإسرائيلي عبر آليات التنسيق.

فموسى بحسب ما يوضح لـ “المفكرة”، وبعد تلقّيه اتصالًا من آمال عند الساعة 14:36 تخبره عن هجوم إسرائيلي على السيارة المرافقة لها، أبلغ فورًا مركز النبطية الإقليمي في الدفاع المدني اللبناني، وحاول التوجّه مع ثلاثة مسعفين وسيارتي إسعاف من مركز جمعية “الرسالة” للإسعاف الصحّي في حدّاثا نحو موقع الحادثة قبل أن يتوقف عند نقطة للجيش اللبناني الذي نصحه بعدم العبور حفاظًا على سلامته. وطلب موسى من آمال عبر رسائل صوتية عند الساعة 15:30 وحصلت عليها “المفكرة” التراجع نحو نقطة الجيش “بعد (مركز) اليونيفيل” حيث كان ينتظر الإذن للعبور. إلّا أنّ الأمر كان متعذّرًا إذ كانت آمال وزينب محاصرتين بسبب المسيّرات.

واستطعنا تحديد الموقع المحتمل لانتظار سيّارات الإسعاف عند نقطة الجيش اللبناني عند إحداثية 33.158546, 35.399277 على طريق حداثا باتجاه الطيري، عبر تحليل صور ومقاطع فيديو حصلنا عليها أو منشورة، ومقارنتها مع صور من “خرائط غوغل” و”غوغل إيرث”، وعبر تحديد موقع مركز اليونيفيل الذي أشار إليه موسى وتقع قربه نقطة الجيش اللبناني والذي وجدناه يحمل اسم “UNP 6-41” ويقع عند إحداثيات 33.154597, 35.399749، وهو منشأة عسكرية تتبع لليونيفيل.
وقارنّا الصور التي حصلنا عليها من موقع الانتظار والصور الليلية التي ظهرت خلال انتظار الفرق والجيش اللبناني حيث يمكن ملاحظة لافتة منزل “الحاج محمد أحمد مقشر”، بالإضافة إلى طريق مليء بالأشجار وحافة خرسانية تبدو كأنها جزء من سور وبوابة المنزل.

في الدقائق الأولى التي تلت الهجوم الأوّل في الطيري، ذكرت مواقع إخباريّة ومنذ الساعة 14:50 وجود صحافيين، وبدءًا من الساعة 14:58 بدأ الحديث عن انتظار وصول مسعفين من الصليب الأحمر وتحليق مسيّرة إسرائيلية في الأجواء. وعند الساعة 15:12 ذكرت جريدة الأخبار وجود الصحافية آمال خليل بالقرب من السيارة المستهدفة على طريق الطيري. وفي الأخبار المتعلّقة بالهجوم الثاني بدأ الحديث عن منع وصول الإسعاف منها الخبر العاجل الذي ذكرته قناة الميادين عند الساعة 16:06.
وعند الساعة 16:42 أي بعد الهجوم الثالث، ذكرت جريدة الأخبار أنّ “الجيش الإسرائيلي يُحاصر الزميلتين آمال خليل وزينب فرج في بلدة الطيري ويمنع الصليب الأحمر والجيش اللبناني من التوجّه إليهما”.
ومع الحديث عن الحصار بدأت المناشدات إعلاميًا ومن جهات رسمية معنيّة، فقد نشرت صفحة “النبطية” على فيسبوك عند الساعة 16:48 مناشدة عاجلة إلى المعنيين بأنّ الصحافيّتين “لا تزالان حتى اللحظة محاصرتين في محيط غارة الطيري (…) بسبب منع القوّات الإسرائيلية اليونيفيل وفرق الإسعاف من الوصول إلى المكان”.
وعند الساعة 16:58، أدان وزير الإعلام بول مرقص في منشور على “إكس” ما وصفها “حادثة محاصرة جيش الاحتلال الإسرائيلي لصحافيين ومصوّرين في بلدة الطيري – جنوب لبنان”، ذاكرًا استمرار المتابعة مع اليونيفيل وقيادة الجيش اللبناني مع تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامتهم.
وأوردت الوكالة الوطنية للإعلام عند الساعة 17:09 أنّ “جيش الاحتلال يحاصر الصحافيتين آمال خليل وزينب فرج في الطيري ويمنع الصليب الأحمر والجيش اللبناني من إجلائهما”. ولاحقًا أشار بيان رئاسة الجمهوريّة عند الساعة 18:50 إلى أنّ الرئيس جوزاف عون “يتابع الملابسات التي رافقت احتجاز الإعلاميتين زينب فرج وأمال خليل في بلدة الطيري، نتيجة قصف القوّات الإسرائيلية للبلدة”.
انتظار الموافقة الأولى
تؤكّد زينب في شهادتها، أنّ آمال بدأت، منذ الهجوم الأوّل الذي وقع حوالي الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، التواصل مع مصادرها في الجيش اللبناني وجهات إسعافية فضلًا عن اليونيفيل لطلب الإسعاف.
يتطابق ذلك مع شهادتي جمال وموسى بأنّ آمال طلبت إسعافها خلال اتصالها بهما في الساعة 14:31 و14:36. كما يظهر من معلومات مستقاة من الصليب الأحمر أنّه تبلّغ بطلب الإسعاف في الساعة 14:38.
من خلال المعلومات التي حصلت عليها “المفكرة” من مصادر عدّة معنيّة بالتنسيق الميداني للمهام الإسعافية، يتبيّن أنّ الصليب الأحمر والدفاع المدني أرسلا بعد الهجوم الأوّل طلبات التنسيق إلى الجانب الإسرائيلي عبر اليونيفيل عند الساعة 15:00 وإلى لجنة الميكانيزم عبر الجيش اللبناني عند الساعة 15:41 لكنّ الردّ لم يأت من الجانب الإسرائيلي إلّا بعد حوالي ساعتين إلّا ربع منَ الطلبِ، وتحديدًا عند الساعة 16:45 عن طريق “الميكانيزم” حيث سُمح بدخول الصليب الأحمر إلى الطيري فيما لم يحصل الدفاع المدني اللبناني على “ضمانات” للدخول إلّا عند الساعة 20:15 ليلًا.
وفي التفاصيل، يُشير مصدر في اليونيفيل لـ “المفكرة”، إلى أنّ “الصليب الأحمر بعث عند حوالي الساعة 14:56 رسالة إلى اليونيفيل قال فيها إنّ سيّارَتَي إسعاف (تابعتان له) بصدد مغادرة مركز تبنين متوجّهتين إلى موقع الهجوم لإجلاء ضحايا”، طالبًا من اليونيفيل تمرير الرسالة إلى الجيش الإسرائيلي. عند الساعة 15:00 تمامًا أرسل اليونيفيل الطلب إلى الجيش الإسرائيلي، متضمّنًا معلومات حول موقع الهجوم والطريق الذي ستسلكه فرق الإسعاف وسبب المهمّة. وجاء في سبب المهمّة: “لإجلاء ضحايا من الإعلام والصحافة المتواجدين حاليًا”. ويتقاطع هذا الأمر مع ما حصلت عليه “المفكرة” من معلومات عن أنّ الطلب الذي يرسله الصليب الأحمر لتنسيق مهماته يتضمّن عادة معلومات عن المهمّة وقد تضمّن الطلب المتعلق بهذه الحادثة منذ البداية ذكرًا لوجود صحافيين وأُرسل قبل دقائق من حلول الساعة الثالثة.
وقد ذكر تقرير اللجنة الوطنية اللبنانية للقانون الدولي الإنساني عن الحادثة الذي نُشر في 26 حزيران/يونيو 2026 الماضي تحت عنوان “تحليل قانوني يوثق انتهاكات إسرائيل الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني” أنّ الجيش اللبناني أرسلَ طلبًا مماثلًا إلى الجيشِ الإسرائيليِّ عبرَ “الميكانيزم” عند الساعة 15:41. ونشير إلى أنّ “المفكرة” أرسلت طلب معلومات حول الحادثة إلى قيادة الجيش اللبناني ولكنّها لم تتلقّ أي ردّ إلى حين نشر هذا التحقيق.
حسب المصدر في اليونيفيل، لم يردّ الجانب الإسرائيلي إلّا بعد ساعتين وتحديدًا عند الساعة 17:05 وكان الرد فقط بأنّه “تلقّى الرسالة” وهو ما يُفهم على أنّه “لم يقبل الطلب”. وأضاف المصدر أنّ “الصليب الأحمر كان يتابع بشكل مستمرّ وكان يسعى جاهدًا للوصول إلى الموقع واليونيفيل استمرّت بالمتابعة مع الجانب الإسرائيلي حتى عبر الهاتف”.
وفي ما خصّ الدفاع المدني، تبلّغت المديرية العامة للدفاع المدني بالهجوم الأوّل عند حوالي الساعة الثانية والنصف وفور تبلّغها، رفعت إحداثيات الموقع المستهدف إلى الجيش اللبناني وتابعت الإجراءات لتأمين التدخّل عبر آلية التنسيق المعتمدة مع الجهات المختصة واليونيفيل، وبلغت الاتصالات ذروتها بين الساعة الخامسة والخامسة والنصف عصرًا، حسب ما أوضحت المديرية العامة لـ “المفكرة”.
وفي إطار المُراسلات، ذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود” أنّها تواصلت مع متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لوقف الغارات والسماح لفرق الإنقاذ بالوصول إلى الصحافية آمال خليل في الطيري، ولكنّ الأخير اكتفى بالرد عند الساعة الخامسة والنصف عصرًا بتوقيت وسط أوروبا (السادسة والنصف بتوقيت لبنان) بعبارة مقتضبة: “سأنظر في الأمر”.
انسحاب فريق الإنقاذ
بحسب معلومات استقتها “المفكرة” من الصليب الأحمر، يتبيّن أنّه بعد الحصول على موافقة الجانب الإسرائيلي عند حوالي الساعة 16:45، تحرّك فريق من مسعفي الصليب الأحمر من مركزه في تبنين، ووصل إلى موقع الهجوم بعد الخامسة بدقائق. تمكّن من سحب جثتي بزي والحوراني وإنقاذ زينب من تحت ركام المبنى المستهدف، لكنّه اضطرّ لمغادرة الموقع قبيل الساعة السادسة من دون إنقاذ آمال بعد تعرّضه لتهديد.
وتُظهر صورة حصلت عليها “المفكرة” سيارة للصليب الأحمر في موقع الهجوم، وبياناتها الوصفية تُشير إلى الساعة 17:08. كما تُظهر صورة من الموقع وجود زينب داخل سيارة الإسعاف وبياناتها الوصفية تشير إلى الساعة 17:55.

وفي التفاصيل التي جمعناها من شهادات عدّة استمعت إليها “المفكرة”، فإنّه في طريقه إلى موقع الهجوم في الطيري على متن سيارتي إسعاف، وجد فريق الصليب الأحمر ركامًا على الطريق وحين نزل الفريق لإزالته رأى سيّارة محترقة في وسط الطريق داخلها جثتين، تبيّن أنّهما جثتا المختار والحواراني. نقل الفريق الجثتين إلى سيارة الإسعاف وبدأ أفراده يُنادون للناجين، فسمعوا صوتًا من تحت ركام مبنى تبيّن أنّه صوت زينب.
أنقذ الفريق زينب التي كانت مصابة وغير قادرة على الحركة. وبينما كان مسعفان ينقلانها إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة على بعد يتراوح بين 20 و25 مترًا من مكان انتشالها، سمعا صوت طيران مسيّر ولاحظا وجود مسيّرة صغيرة في الأجواء. بعدها سمعا صوت انفجار وغطّى الغبار المكان، رجّحا أنّها قنبلة صوتية، فأكملا طريقهما بزينب صوب السيّارة وخرجا فورًا من موقع الهجوم قبل أن يتمكنا من البحث عن آمال باعتبار أنّ ما حصل شكّل تهديدًا لسلامتهما.
وبعد وصوله إلى مستشفى تبنين، لاحظ الفريق وجود آثار ثقوب على سيّارة الإسعاف قد تكون ناتجة عن أسلحة خفيفة.
يتقاطع ما تقدّم، أيضًا مع شهادة الصحافي جمال الغربي لـ “المفكرة” إذ أكّد أنّه علم من مصدر في الصليب الأحمر يومها وتحديدًا عند الساعة 16:45 أنّ سيّارة الصليب الأحمر تحرّكت نحو موقع الهجوم وأنّه رآها بعد ذلك بدقائق وهو المتواجد في محيط مستشفى تبنين. وأضاف أنّ المصدر نفسه أبلغه عند الساعة 17:30 بأنّهم وصلوا إلى الموقع، وبعدها وتحديدًا عند الساعة 17:41 أخبره بأنّ فريق الإسعاف سحب جثتي الشهيدين بزي والحوراني وأنقذ زينب واضطرّ إلى العودة بعد إلقاء قنبلة صوتية باتجاهه.
وحصلت “المفكرة” على مقطع فيديو مصوّر من موقع الهجوم فور وصول فريق الإسعاف يُسمع فيه صوت أحد المسعفين وهو يُنادي “سيّارة بنص الطريق وشهيدين بقلبا”.
ونشرت الوكالة الوطنية للإعلام عند الساعة 19:22 خبرًا حول “تعرّض سيارة الصليب الأحمر التي أقلت الصحافية زينب فرج تعرضت لإطلاق نار”، وأرفقته بصورة، تأكّدت “المفكرة” من صحّتها، تُبيّن آثار ثقوب ظاهرة على السيارة في الجهة اليسرى لجهة السائق حسب نموذج سيارات الصليب الأحمر اللبناني.
لم تتمكن “المفكّرة” من تحديد توقيت أو موقع تعرّض سيّارة الصليب الأحمر لهذه الأضرار أو مصدر هذه الثقوب. وسواء كان ما ظهر على السيّارة آثار أسلحة خفيفة أو قنبلة صوتية أو الاثنين معًا، فإنّ الأمر شكّل تهديدًا لفرق الإسعاف، ولاسيّما في ظلّ استهداف الجيش الإسرائيلي المُتعمّد لفرق الإسعاف في لبنان بشكل ممنهج. وهذا ما كانت وثّقته “المفكرة” في أكثر من تحقيق.


ولاحقًَا عند الساعة 20:22 نشرت وزارة الصحة بيانًا تقول فيه إنّه عندما “وصل الصليب الأحمر اللبناني لنقل المصابين، حال العدو دون إتمام المهمة الإنسانية، فأطلق على سيارة الإسعاف قنبلة صوتية واستهدفها بالرصاص فلم يتمكّن من انتشال خليل، فيما نقلت فرج إلى المستشفى وجثماني الشهيدين”.
إذًا، نُقلت زينب إلى مستشفى تبنين الحكومي من دون إنقاذ آمال التي تبيّن بحسب شهادات من فرق الإنقاذ وشهادة زينب أنّها كانت على بعد متر منها تحت ركام المبنى.
وخضعت زينب لعدد من العمليات الجراحية بسبب “إصابات مُتقدّمة في الوجه والرأس والعين واليد اليُمنى والفخذ الأيمن وهي بحاجة إلى متابعة العلاج” بحسب تقرير طبّي صادر في 26/5/2026.
انتظار الموافقة الثانية
بعد إنقاذ زينب واضطرار فريق المسعفين إلى مغادرة الموقع، توالت المناشدات لإنقاذ آمال. وذكرت قناة الجديد مناشدات من السلطات الأمنية للجنة الميكانيزم، لإعطاء الموافقة للصليب الأحمر بالدخول إلى الطيري وإنقاذ آمال بعد إصابتها في بلدة الطيري. وطلب رئيس الجمهورية جوزاف عون في بيان من “الصليب الأحمر اللبناني العمل على إنقاذ الإعلاميتين ورفاقهما والتنسيق مع الجيش والقوات الدولية لإنجاز عملية الإنقاذ في أسرع وقت ممكن”.
وبحسب معلومات لـ “المفكرة” مستقاة من الصليب الأحمر، اضطر الأخير إلى إرسال طلب تنسيق آخر عند الساعة 18:23 لتأتي الموافقة بعد ساعتين إلّا ثلث أي حوالي الساعة 20:15 مساءً، وهو التوقيت ذاته الذي تمّ فيه تأمين المسار للدفاع المدني للدخول إلى الطيري.
كما أفاد مصدر في اليونيفيل أنّ طلب تنسيق آخر أُرسل عبره عند الساعة 19:00 إلى الجيش الإسرائيلي الذي ردّ عند الساعة عند 20:16 أنّ الموافقة مُرّرت عبر الميكانيزم.
وقد ذكر تقرير اللجنة الوطنية اللبنانية للقانون الدولي الإنساني عن الحادثة أنّه “عند الساعة 19:20 تقريبًا، قرر الجيش اللبناني مرافقة الصليب الأحمر إلى الموقع بسبب خطورة الوضع، بعد معالجة الأمور التقنية المتعلّقة بالعتاد اللازم للإنقاذ عاد الصليب الأحمر إلى المكان مع الجيش والجرافات قرابة الساعة 20:20”.
وقد توجّهت فرق الصليب الأحمر بمرافقة الجيش اللبناني إلى موقع الهجوم فضلًا عن فرق الدفاع المدني، وباشرت العناصر عمليات رفع الأنقاض للمبنى المستهدف باستخدام جرافات نظرًا لحجم الدمار الهائل الذي خلّفه الهجوم على المبنى، وعُثر على جثّة آمال في الطابق الأرضي للمبنى ما بين الساعة 23:10 و23:15، وغادرت الفرق المكان عند 23:30.
ويقول موسى إنّه كان من ضمن الفريق الذي انتشل جثمان آمال من تحت عامود أساس للمبنى، “آمال هي الشخص الوحيد الذي طلب مني إسعافه ولم أستطع”.
وبحسب تقرير طبّي صادر عن مستشفى تبنين الحكومي اطلعت عليه “المفكرة”، تم تحديد توقيت وفاة آمال في الساعة السابعة مساءً في 22 نيسان 2026 بسبب توقّف في القلب ناتج عن إصابة في الرأس تسبّبت بنزيف حاد.

ويثبت هذا التقرير أنّ آمال بقيت على قيد الحياة تحت ركام المبنى لنحو ساعتين ونصف الساعة بعد استهدافه من قبل الجيش الإسرائيلي، وبعد نحو ساعة من اضطرار فرق الإسعاف على الانسحاب من الموقع من دون إنقاذها.
وقد لفتنا خلال جمع الشهادات في إطار الإعداد لهذا التحقيق ما عبّر عنه عدد من المتابعين ميدانيًّا لأحداث ذلك اليوم عن انطباعهم بأنّ الجيش الإسرائيليّ “كان يريد قتل آمال”.
القسم الثاني: سياق الجريمة
قبل الخوض في تحليل الجريمة، نخصّص هذا القسم لمحاولة فهم سياقها من خلال رصد التواجد الإسرائيلي العسكري قرب موقع الهجمات ومدى احتمال ارتباطه في إطلاق النار على سيّارة الصليب الأحمر. كما نتوّقف لعرض التهديدات الإسرائيلية السابقة التي تلقّتها آمال بسبب عملها الصحافي وما تمثّله آمال من مكانة استثنائية في الصحافة الميدانية جنوبًا في ظلّ سياسة المحو للبلدات الجنوبية وذاكرتها. ويُسهم هذا السياق في تكوين فهم أفضل للجريمة ومبرراتها المحتملة.
نطاق تواجد الجيش الإسرائيلي
تقع بلدة الطيري في الجزء الشمالي الغربي لجهة مدينة بنت جبيل مركز القضاء، وتبعد عنها حوالي كيلومترين وترتفع 751 مترًا عن سطح البحر.
وقعت حادثة مقتل آمال بعد مرور خمسة أيام من إعلان الإدارة الأميركية يوم الخميس 16 نيسان 2026، عن مسوّدة التفاهم المتعلّقة بالهدنة المؤقتة للأعمال العدائية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي التي كانت تصاعدت منذ 2 آذار 2026. ذكر الاتفاق في أحد بنوده “حق إسرائيل في تفعيل الإجراءات الدفاعية الضرورية لمواجهة أي تهديدات هجومية محتملة أو قائمة” مع تعهّد الجانب الإسرائيلي بـ “الامتناع عن شن أي عمليات هجومية عسكرية تستهدف مراكز لبنانية، ويشمل ذلك المنشآت المدنية والعسكرية أو أي مرافق تابعة للدولة اللبنانية، سواء كان ذلك عبر الهجمات البرية أو الجوية أو البحرية”.
ميدانيًا، لم يترافق الإعلان مع وقف فعلي للأعمال العدائية. فقد واصل الجيش الإسرائيلي، منذ سريان الإعلان، الغزو والتوغّل وعمليات النسف الممنهج للمنازل والبنى التحتية المدنية والطرقات في عدد من القرى الجنوبية، فضلًا عن شنّه هجمات على منازل وآليات وإصدار أوامر تهجير للسكّان.
وأعلن المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي في 18 نيسان، أنّ “عمليات الدفاع عن النفس وإزالة التهديدات لا تخضع لقرار وقف إطلاق النار”. وفي 19 نيسان نشر المتحدّث خريطة لمنطقة واسعة قال إنّها خاضعة للسيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبناني تحت مسمّى “خط الدفاع الأمامي”. ووجّه في 20 نيسان إنذارًا إلى سكان جنوب لبنان يطلب منهم عدم التحرّك جنوب هذا الخط الذي يضمّ عشرات القرى منها بلدة الطيري موضوع التحقيق، معلنًا استمرار تمركز القوّات الإسرائيلية في مواقعها خلال فترة وقف إطلاق النار.


أكّدت زينب فرج في شهادتها أنّها لم تُشاهد أيّ وجود عسكري إسرائيلي خلال تنقّلاتهما من صيدا إلى الطيري. وبالبحث عن نطاق التوغّل للجيش الإسرائيلي منذ إعلان الهدنة، نجد أنّه في 18 نيسان 2026، وحسب موقع “الجزيرة“، بلغ الجيش الاسرائيلي في قطاع بنت جبيل (القطاع الأوسط) عمقًا من 6 إلى 7 كيلومترات، حيث شاركت الفرقة 162 والفرقة 98 في القتال والمحاصرة في محيط بنت جبيل الشرقي والغربي. وفي 20 نيسان نشرت وسائل الإعلام فيديو يعود لانسحاب رتل دبابات إسرائيلية في مدينة بنت جبيل نحو بلدة عيترون، بعد انتشار مقاطع مصوّرة للتدمير والتجريف في المدينة نتيجة الاجتياح.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية في تاريخ 16 نيسان 2026 آليات عسكرية يبدو من معالمها البصرية أنّها دبّابات وجرّافات متمركزة في بلدة الطيري تحديدًا في الجزء الجنوبي الغربي منها.

بعد يومين أظهرت صور حديثة أُلتقطت يوم 18 نيسان تواجد آليات عسكرية يبدو أنّها دبابات في نقطة تمركز جديدة في بلدة الطيري، تحديدًا أمام مسجد الطيري، والتي تبعد عن المبنى المستهدف حوالي 250 مترًا غربًا. كما أظهرت الصور اختفاء الآليات من نقاط السيطرة الملاحظة سابقًا في الجزء الجنوبي الغربي للبلدة. وهو ما يُرجّح احتمال أنّ الآليات بدأت توغلها وانتقالها جنوبًا نحو بلدة بنت جبيل كما أشارت الأخبار سابقًا.

أمّا صور الأقمار الحديثة لبلدة الطيري في 22 نيسان أي صباح يوم الهجوم، فلم تلتقط أي تواجد محتمل لآليات الجيش الإسرائيلي في نقاط التمركز، وتحديدًا في نقطة التمركز القريبة من المبنى المستهدف، بل أظهرت آثار تجريف تُشير إلى انسحاب الآليات منها.
وكانت صفحة “الميادين- لبنان” على فيسبوك نشرت خبرًا عن تفجير إسرائيلي في بلدة الطيري في 20 نيسان، مما يؤشّر إلى تواجد القوّات الإسرائيلية فيها حينها، مما يؤشّر إلى تواجد القوّات الإسرائيلية فيها حينها.

لا يعني غياب الآليات في نقطة التمركز القريبة من موقع الهجوم بالضرورة غياب قوّات الجيش الإسرائيلي منها أو من المنطقة ككل، إذ يبقى احتمال تواجد القوّات داخل المباني المحيطة أو أسفل الأشجار إن افترضنا تعذّر رؤيتها نتيجة معطيات التحيّز في صور الأقمار الاصطناعية، لاسيّما أنّ تحليل الدمار والتجريف الظاهر يقودنا إلى نتيجة مفادها حداثة انتقال الآليات وتحرّكها في البلدة ذلك اليوم.
وبمراجعة بيانات الإعلام الحربي لـ “حزب الله” في الفترة الممتدة من 16 إلى 22 نيسان تاريخ الاستهداف، لم نجد أيّ بيانات تتحدّث عن عمليات في بلدة الطيري، سواءً لهجمات على جرافات وآليات عسكرية إسرائيلية أو لاشتباكات داخل البلدة أو على أطرافها. واقتصرت البيانات خلال هذه الفترة على أعمال عسكرية في مدينة بنت جبيل القريبة.
ونشر الإعلام الحربي في 17 أيّار خريطة استهداف الآليات العسكرية ومنها دبّابات وجرّافات بين 17 نيسان و16 أيار 2026 ولم تظهر أيّ عمليات استهداف في الطيري.

كما نشر الإعلام الحربي خريطة توضح مناطق الاشتباكات المباشرة مع الجيش الإسرائيلي بين 2 آذار 2026 و16 نيسان 2026، ولم يتبيّن حصول أي اشتباك في الطيري.

بالعودة إلى تضرّر سيارة الإسعاف التابعة للصليب الأحمر، فقد وجد فريق الإنقاذ، بعد وصوله إلى مستشفى تبنين، آثار ثقوب عليها يُرجّح أنّها ناتجة عن ذخائر أسلحة خفيفة من دون أن نتمكّن من تحديد توقيت وموقع حصولها. وفي حال افتراض أنّ الضرر حدث أثناء توقّف سيّارة الإسعاف في موقع الهجوم أو أثناء تحرّكها على مقربة منه، فيُمكن أن تكون نقطة التمركز المذكورة سابقًا في بلدة الطيري تحديدًا أمام مسجد الطيري على بعد 250 مترًا من المبنى المستهدف، هي مصدر النيران، إذ أنّ تواجد الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة قد يجعل السيّارة في نطاق الرؤية، بالإضافة لتوافقها مع اتجاه آثار الضرر في السيارة.
الجدير ذكره أنّ آمال كانت قرّرت تصوير أعمال التجريف في مدينة بنت جبيل من بلدة الطيري لعلمها بأنّه لا يُمكن دخول بنت جبيل بسبب تواجد جيش الاحتلال الإسرائيلي داخلها. تمامًا كما فعلت قبل يوم من مقتلها، إذ لم تدخل بلدة بيت ليف نظرًا لتواجد الجيش الإسرائيلي داخلها، فصوّرت البلدة والجرف الإسرائيلي فيها من بلدة ياطر المشرفة عليها.
تهديدات سابقة
جاء مقتل آمال خليل ضمن سياق تعمّد الجيش الإسرائيلي قتل الصحافيين في غزّة ولبنان، إذ قُتل 9 صحافيين في هجمات إسرائيلية مباشرة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2023. كما أنّه جاء بعد تلقيها تهديدات إسرائيلية مباشرة بالقتل قد تشكّل دليلًا على وجود نيّة باستهدافها.
فقبل أيّام من مقتل آمال، وتحديدًا في 15 نيسان 2026، أعاد المتحّدث باسم الجيش الإسرائيلي مشاركة مقطع فيديو كانت نشرته جريدة الأخبار يُظهر آمال في بلدة أنصارية وهي تنقذ قطّة وتخرجها من تحت الركام. وكتب المتحدّث بأسلوب تحريضي “ومن الإنسانية ما قتل..” متحدّثًا عمّن وصفه بــ “إعلام إرهابي” ناطق “باسم حزب الله الشيطان”.
قبل ذلك تلقّت آمال من رقم هاتف إسرائيلي تهديدات صريحة بالقتل مرتين، وتحديدًا في شهري آب وأيلول 2024 أي قبل توّسع العدوان الإسرائيلي على لبنان حينها، إذ وصل على هاتفها الشخصي رسالة تُقول إنّ الجيش الإسرائيلي يعرف مكانها، ويطلب منها “الهروب” إذا كانت تريد الحفاظ على “الاتصال بين رأسها وكتفيها”.
وبعدها كشفت آمال أنّ إسرائيل هدّدت جريدة الأخبار التي تعمل فيها وطلبت منها منعها من العمل وإلّا ستصبح الصحيفة كلّها مهدّدة.
وثّق هذا التهديد وزير الإعلام السابق زياد مكاري الذي أرسل في 17 أيلول 2024 رسالة إلى مديرة مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت كوستنزا فارينا، يُعلمها بأنّ آمال تعرّضت للتهديد من قبل رقم إسرائيلي من خلال رسالة نصية تلقتها عبر هاتفها المحمول تحمل تهديدًا مباشرًا بالقتل وقطع رأسها وهدم منزلها، وطلب الوزير أخذ العلم والخبر وإجراء المقتضى. كما وثّق اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان هذا التهديد، ووجّه في هذا الصدد رسالة إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير إيرين خان.
القسم الثالث: التحليل القانوني للجريمة
تؤشر الأدلة التي يوثّقها هذا التحقيق إلى أنّ الهجمات الإسرائيلية التي أدّت إلى مقتل الصحافية آمال خليل وإصابة الصحافية زينب فرج خلال قيامهما بمهمة صحافية قد ترقى إلى جرائم حرب متمثلة بشنّ هجمات ضدّ أشخاص مدنيين وأعيان مدنيّة والقتل العمد لأشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني.
يحظر القانون الدولي الإنساني هذه الهجمات لمخالفتها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية الذي يعد حجر الأساس في قواعد الحرب، ومبدأ الاحتياط في شنّ الهجمات الذي يفرض موجب التحقّق من أنّ الأهداف هي أهداف عسكرية (القاعدة 16 من القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني). ويوجب القانون الدولي الإنساني احترام الصحافيين وحمايتهم بصفتهم مدنيين طالما أنّهم لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية (القاعدة 34 من القواعد العرفية).
ويمكن توصيف مقتل آمال خليل بالاغتيال نظرًا للأدلة التي تشير إلى قتلها عمدًا مع العلم بصفتها المدنية والصحافية وتمتعها بالحماية من الهجمات. هذا الطابع العمدي في قتل آمال يظهر من ثلاثة عناصر أساسية: استهداف الجيش الإسرائيلي للصحافية، وعلمه بصفتها المدنية والصحافية، وعرقلة أعمال إنقاذها.
1. استهداف الصحافيّتين
أقرّ الجيش الإسرائيلي بأنّه شنّ هجومًا على المبنى الذي لجأت إليه آمال وزينب، وهو الهجوم الذي أدّى إلى مقتل آمال. أنكر استهدافه للصحافيتين وبرّر هجماته بالحديث عن “مخرّبين” شكّلوا تهديدًا لقوّاته ولجأوا إلى المبنى، إذ حدّد أنّ الأهداف المعلنة للهجمات كان المرافقان علي بزّي ومحمد الحوراني. لكن تحقيقنا ينفي صحّة هذه المبرّرات ويُظهر أنّ الجيش الإسرائيلي قد تعمّد استهداف آمال.
فقد قالت المتحدثة بلسان الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي “إيلا واوية” على حسابها الرسمي على “إكس” مساء يوم الحادثة في الساعة 20:22، إنّ القوات الإسرائيلية “رصدت في منطقة جنوب لبنان مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله الإرهابي” وإنّ “مخرّبين” عبروا “خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوّات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا”. وبعد أن تمّ “تحديد أنّهم يخرقون اتفاق وقف إطلاق النار، قام سلاح الجو بمهاجمة إحدى المركبتين، ثمّ استهدف مبنى لجأ إليه المخربون”. وأشارت إلى أنّ “تفاصيل الحادثة قيد الفحص” وأنّ “خريطة خط الدفاع الأمامي قد نُشرت، وأن المنطقة مُخلاة”.
وفي حين قالت المتحدثة في البيان نفسه إنّ تقارير وردت عن إصابة صحافيّتين نتيجة الهجمات، ادّعت أنّ الجيش “لا يمنع في هذه المرحلة وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة”. وفي تبريرها، أشارت إلى أنّ الجيش الإسرائيلي “لا يستهدف الصحفيين بأي شكل من الأشكال، ويعمل قدر الإمكان على تقليل الأذى الذي قد يلحق بهم مع الحفاظ على أمن قوّاتنا”.

نفنّد في ما يلي التبريرات الواردة في البيان الإسرائيلي:
“الخروج من مبنى عسكري”
جاء في البيان أنّ القوّات الإسرائيلية “رصدت في منطقة جنوب لبنان مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله الإرهابي”. لكنّ تحقيقنا يُظهر أنّ آمال وزينب كانتا تتنقّلان في مهمّة صحافية في وقت الهجمات. كما لم يتبيّن، لا سيّما من تحليل خط سير سيارة آمال والسيارة التي كانت ترافقها، دخول أيّ من السيّارتين أو الأشخاص الذين على متنها إلى مبنى أو مكان مُغلق قبل الوصول إلى بلدة الطيري حيث حصلت الهجمات.
فيظهر أنّ محطات توقّف سيارة آمال وزينب من صيدا إلى تبنين كانت في أماكن عامّة ومفتوحة في عين بعال وقانا، ثمّ التقت بالمرافقين بزي والحوراني في الباحة الخارجية لمستشفى تبنين قبل انطلاق السيارتين في اتجاه الطيري، حيث توقّفتا مرّة واحدة على الطريق العام في كونين.
“تهديد فوري للقوّات الإسرائيلية”
جاء في البيان أنّ “مخربين” عبروا “خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوّات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا” وأنّهم خرقوا اتفاق وقف إطلاق النار. لكن تحقيقنا، ولا سيّما تحليل صور الأقمار الاصطناعية الحديثة، يُظهر أنّ أقرب نقطة تمركز محتملة للقوّات الإسرائيليّة كانت خالية في يوم الحادثة من تواجد أي آليات عسكرية. كما نفت زينب فرج مشاهدتها لأي وجود عسكري إسرائيلي في أي نقطة خلال تنقلاتهم من صيدا إلى الطيري.
وعلى فرض وجود قوّات عسكرية متمركزة على مقربة من موقع الهجوم في الطيري، فإن ذلك لا يشكّل سببًا كافيًا لتبرير الهجوم، تمامًا كما التحجّج بعبور “خط الدفاع الأمامي” وكون “المنطقة مخلاة”. فهذه الحجج لا تعفي أطراف النزاع المسلّح من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيّما لجهة موجبات التحقّق من الأهداف وحماية المدنيين والصحافيين المتواجدين في المناطق الخاضعة لأوامر إخلاء.
بالإضافة إلى ذلك، لا ينصّ إعلان وقف الأعمال العدائية الذي نشرته الخارجية الأميركية في 16 نيسان 2026 على إنشاء أي منطقة “مخلاة” من المدنيين، في حين ينصّ البند الثالث منه على أنّه لإسرائيل الحق في اتخاذ “كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت ضدّ أيّ هجمات مخطّط لها أو وشيكة أو جارية”. إلّا أنّ ممارسة حق الدفاع عن النفس يجب أن تلتزم بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما لجهة مبادئ التمييز والتناسب والوقاية في شنّ الهجمات.
وفي مطلق الأحوال، لا يمكن أن تتجاوز الاتفاقات السياسية قواعد القانون الدولي، ولا سيّما القواعد الآمرة مثل حظر استخدام القوّة وقواعد القانون الدولي الإنساني، وهذا ما كانت “المفكرة القانونية” قد أوضحته سابقًا، مشيرة إلى أنّه لا يمكن لإعلان هدنة أو تفاهم سياسي أن يمنح إسرائيل حقًا في استخدام القوّة أوسع ممّا يسمح به القانون الدولي.
“استهداف مبنى لجأ إليه المخرّبون”
قال الجيش الإسرائيلي في بيانه إنّه نفذّ هجومين أحدهما على “إحدى المركبتين”، ثم “استهدف مبنى لجأ إليه المخرّبون”. لكن يظهر من تحقيقنا أنّ الجيش الإسرائيلي قد شنّ ثلاثة هجمات وليس اثنين خلال فترة ساعتين، إذ هاجم السيارتين وليس واحدة منهما. فقد هاجم السيّارة المرافقة لآمال، وبعدها بحوالي ساعة هاجم سيارة آمال، ثم بعدها بحوالي ساعة أيضًا استهدف المبنى الذي لجأت إليه آمال وزينب للاحتماء من الهجمات بعد إصابتهما.
وبرّر الجيش الإسرائيلي الهجوم على المبنى الذي أدّى إلى مقتل آمال بلجوء “المخرّبين” إليه. وفي تصريح لاحق لـ “واشنطن بوست”، قال إنّه استهدف المرافقين بزي والحوراني اللذين وصفهما بعناصر من حزب الله من دون تقديم أي دليل على ذلك. ولم يتبيّن لنا أي دليل على أنّ أيًّا من المرافقين هو مقاتل أو مسلّح أو لديه صفة عسكرية، ممّا يستوجب افتراض صفتهما المدنية، وينفي تاليًا حالة التهديد المحتملة لقوّات إسرائيلية.
وفي مطلق الأحوال، أظهر تحقيقنا أنّ الذين لجأوا إلى المبنى المستهدف هما آمال وزينب، فيما وُجد جثمان المرافقين بزي والحوراني في سيارتهما، ممّا يرّجح أنّهما قتلا في الهجوم الأوّل على سيارتهما، أي قبل حوالي ساعتين من استهداف المبنى. وهذا يؤشّر إلى أنّ الجيش الإسرائيلي قد شنّ هجومًا استهدف آمال وزنيب وليس المرافقين كما ادّعى.
2. العلم بالصفة المدنية والصحافية
يُشير بيان الجيش الإسرائيلي إلى إصابة الصحافيتين كضرر جانبي ناتج عن الهجمات العسكرية إذ أنكر استهدافهما، مشيرًا إلى “تقارير وردت عن إصابة صحفيتين نتيجة الهجمات”. لكنّ تحقيقنا يُظهر مؤشرات عدّة على علم الجيش الإسرائيلي بصفتهما المدنية والصحافية قبل شنّ الهجوم على المبنى المستهدف، فضلًا عن علمه المسبق بهوية آمال خليل كصحافية في جريدة الأخبار.
ووفقًا لأركان الجريمة المعتمدة من قبل المحكمة الجنائية الدولية، تتحقّق أركان جريمة القتل العمد في حال علم الجاني بالظروف الواقعية التي تثبت صفة الضحية كأحد الأشخاص المشمولين بحماية اتفاقيات جنيف التي تشمل المدنيين كما الصحافيين.
العلم بالصفة المدنية: رقابة المسيّرات
تؤكّد زينب فرج في شهادتها أنّها رأت ثلاث مسيّرات إسرائيلية في موقع الهجوم مباشرة بعد الهجوم الأوّل على سيارة المرافقين، وأنّ المسيّرات بقيت في الموقع ولم تغادره طيلة تواجدها وآمال فيه، وأنّ إحدى المسيّرات اقتربت من وجهها على بعد أقل من متر وظلّت تلاحقها إلى حين لجوئهما إلى المبنى.
ويظهر أنّ الصحافيتين بَقِيَتا قرب المبنى في مكان مكشوف تحت رقابة المسيّرات لما يُقارِب الساعة على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، يشير البيان الإسرائيلي إلى أنّه تمّ رصد السيارتين، مما يستدلّ منه أنّ الموكب كان قيد المراقبة قبل وصوله إلى موقع الهجوم.
ويرجّح بناء على وصف زينب أنّ المسيّرات المتواجدة في الموقع كانت من نوع “كواد كوبتر” (Quadcopter drone)، وهي المسيّرات التي وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان استخدام الجيش الإسرائيلي لها بكثرة كأداة للترهيب النفسي والمراقبة والقتل المباشر في غزة. ويقول المرصد إنّ هذا النوع من المسيّرات طوّرته إسرائيل للاستخدام العسكري، حيث تملك ميزة “المراقبة بالفيديو في الوقت الفعلي، والرصد المستمر، والاستهداف الدقيق، والقدرة على تتبع الأهداف المتحرّكة بسرعة ومرونة”.
إذًا، يرّجح أنّ الجيش الإسرائيلي كان يُراقب الأحداث الميدانية والأشخاص المتواجدين في الموقع بشكل مستمّر عبر المسيّرات لحوالي ساعتين على الأقل، وأنّ آمال وزينب تحديدًا كانتا تحت المراقبة الإسرائيلية المباشرة منذ الهجوم على سيارة المرافقين على الأقل وبقيتا تحت المراقبة إلى حين إصابتهما ودخولهما إلى المبنى.
ولم يأت استهداف المبنى الذي أدّى إلى مقتل آمال كعمل عسكري منفرد أو في إطار أعمال عسكرية متسارعة، بل جاء بعد هجمتين متتابعتين وقعتا في غضون نحو ساعتين، الأولى على سيارة المرافقين بزي والحوراني والتي أدّت إلى قتلهما، والثانية على سيارة آمال.
لذلك، يمكن الاستنتاج أنّ الجيش الإسرائيلي كان قادرًا، قبل شنّه الهجوم على المبنى، على التحقّق من مقتل بزي والحوراني في الهجمة الأولى ومن صفة الشخصين اللذين لجآ إلى المبنى وتمييز أنّهما امرأتان مدنيتان ومصابتان. وهذا يؤشّر إلى أنّ الجيش الإسرائيلي قد شنّ هجومًا على أهداف مدنية مع علمه بصفتها المدنية، مما يشكّل هجومًا مباشرًا على أشخاص مدنيين في مخالفة لمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
العلم بالصفة الصحافية: التبليغ الرسمي
وفقًا لشهادة زينب، ترجّلت وآمال من سيّارتهما بسرعة بعد الهجوم الأوّل على السيارة المرافقة بلا درع وخوذة الصحافة. لكنّ التحقيق يُظهر مؤشرات على علم الجيش الإسرائيلي بصفتهما الصحافية قبل شنّه الهجوم على المبنى الذي أدّى إلى مقتل آمال.
فقد علم الجيش الإسرائيلي بالصفة الصحافية للضحيّتين عبر القنوات الرسمية المعتمدة للتنسيق الميداني مع اليونيفيل ولجنة “الميكانيزم”، إذ تضمّنت بلاغات التنسيق لتنفيذ المهمة الإسعافية إبلاغه بوجود صحافيتين في موقع الهجوم. وقد أُرسل بلاغ أوّل عبر اليونيفيل في الساعة 15:00، فيما أُرسل بلاغ ثان عبر “الميكانيزم” في الساعة 15:41، وهو ما يؤشر إلى علم الجيش الإسرائيلي بصفتهما الصحافية قبل حوالي ساعة ونصف الساعة من شنّه الهجوم على المبنى في الساعة 16:25.
بالإضافة إلى ذلك، كان خبر تواجد صحافيتين محاصرتين في موقع الهجوم موضع تغطية إعلامية مكثفة ابتداءً من الساعة 14:50 عبر أكثر من وسيلة إعلامية لبنانية والحسابات الرسمية لمسؤولين لبنانيين، مثل وزير الإعلام ورئيس الجمهورية، وهي حسابات من الممكن أن تكون خاضعة للمتابعة من قبل الجيش الإسرائيلي.
العلم بهوية آمال خليل: تحريض وتهديدات سابقة
بالإضافة إلى علمه بالصفة المدنية والصحافية لآمال وزينب قبل شنّه الهجوم على المبنى، رصدنا أيضًا مؤشرات على علم الجيش بهوية آمال خليل الصحافية في جريدة الأخبار. فآمال من الصحافيات اللواتي يتمتعن بشهرة واسعة نتيجة تغطيتها للأحداث في جنوب لبنان، وقد نشرت وسائل إعلامية لبنانية عدّة عن تواجدها في موقع الهجوم، بدءًا من الخبر الذي نشرته جريدة الأخبار نفسها عند الساعة 15:12، أي قبل الهجوم على المبنى.
ويظهر أنّ الجيش الإسرائيلي كان على علم مسبق بهوية آمال قبل تاريخ الهجوم ونشرَ مواد تحريضية ضدّها. فقبل أسبوع، شارك المتحّدث باسم الجيش الإسرائيلي على حسابه الرسمي مقطع فيديو لآمال كانت نشرته جريدة الأخبار الذي وصفها بــ “إعلام إرهابي” ناطق “باسم حزب الله الشيطان”. كما تلقّت آمال وجريدة الأخبار تهديدات من أرقام إسرائيلية، تضمّنت تهديد آمال بالقتل وأنّ الجيش الإسرائيلي يعرف مكانها، وتهديد الصحيفة بالاستهداف في حال لم توقف آمال عن عملها الصحافي.
وسبق للجيش الإسرائيلي أن شنّ أربعة هجمات مباشرة ومتعمّدة على تجمعّات للصحافيين في لبنان، وتبنّى صراحة اغتيال الصحافي علي شعيب مبررًا ذلك بانتمائه لحزب الله في محاولة لنزع الصفة المدنية عن عمله الصحافي.
وفقًا للقانون الدولي الإنساني، لا يفقد المدنيّون، ومن ضمنهم الصحافيون، الحماية القانونية جرّاء رأيهم السياسي أو تأييدهم لأحد أطراف النزاع أو حتى مساهمتهم في المجهود الحربي العام عبر بث بروباغندا أحد الأطراف، ويُحظر اعتبارهم أهدافًا مشروعة للعمليات القتالية.
وعليه، ترجّح كلّ هذه العوامل مجتمعة، وبعد وضعها في سياق النهج الإسرائيلي في استهداف العاملين في الصحافة، أنّ الجيش الإسرائيلي كان على علم بصفة آمال وزينب المدنية والصحافية حين تعمّد شنّ الهجوم عليهما على أقل تقدير، أو أنّه كان على معرفة بهوية آمال وتقصّد قتلها وهو ما شكّل عملية اغتيال تحت غطاء العمليات العسكرية على أبعد تقدير. وفي الحالتين تكون أركان جريمة القتل عمدًا متوفّرة، مما يستوجب التحقيق فيها بصفتها جريمة حرب محتملة.
3. عرقلة حركة فرق الإغاثة
جاء في البيان الذي صدر ليلًا أنّ الجيش الإسرائيلي “لا يمنع في هذه المرحلة وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة”.
لكن تحقيقنا، ولا سيما تحليل التسلسل الزمني للأعمال العسكرية وأعمال الإنقاذ، يظهر أنّ الجيش الإسرائيلي أعاق حركة تنقل فرق الإنقاذ لمنع وصولها إلى موقع الهجوم وعرقلة تنفيذ عمليات الإنقاذ. وقد تمّ ذلك من خلال تأخير الموافقة على انتقال فرق الإسعاف إلى موقع الهجوم مرّتين (الأولى بين الساعة 15:00 والساعة 16:45، والثانية بين الساعة 18:23 والساعة 20:15)، بالإضافة إلى الاشتباه بتهديده فريق الإنقاذ عبر إلقاء ما يرّجح أنّه قنلبة صوتية ما حمله على مغادرة موقع الهجوم قبل إنقاذ آمال وبإطلاقه النار على سيارة الإسعاف.
أدّت هذه العرقلة عمليًا إلى منع وصول فرق الإنقاذ الى آمال لمدّة تصل إلى حوالي ست ساعات، وذلك منذ طلبها الإسعاف للمرّة الأولى بعد الهجوم الأوّل على السيارة المرافقة لها (عند حوالي الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر) إلى حين منح الجيش الإسرائيلي الموافقة الثانية لفرق الإنقاذ للانتقال إلى موقع الهجوم (عند حوالي الساعة 20:15 مساءً).
وبما أنّ التقرير الطبي حدّد توقيت وفاة آمال في حوالي الساعة السابعة مساءً، قد تكون عرقلة أعمال الإنقاذ قد ساهمت في التسبّب في وفاتها نظرًا لبقائها على قيد الحياة لمدّة ساعتين ونصف الساعة تحت ركام المبنى المستهدف (عند حوالي الساعة 16:25) ولتوقّف قلبها بعد حوالي ساعة من اضطرار فريق الإنقاذ للانسحاب من دون إنقاذها (عند حوالي الساعة 17:53).
تشكّل عرقلة أعمال الإنقاذ من قبل الجيش الإسرائيلي مؤشرًا إضافيًا على النيّة بقتل آمال، كما أنّها مخالفة مستقلّة قائمة بحد ذاتها للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر منع أو عرقلة وصول المساعدات الطبية إلى الجرحى. فيُلزم أطراف النزاع بتأمين حرّية الحركة اللازمة للأفراد المخوّلين العمل في الإغاثة الإنسانية للقيام بوظائفهم، ويحظر تقييد حركتهم مؤقتًا إلّا في حالات الضرورة العسكرية القهرية (القاعدة 56 من القواعد العرفية).
يسجّل في هذا الإطار أنّ البيان الإسرائيلي قد أشار إلى أنّه لا يمنع أعمال الإنقاذ “في هذه المرحلة” من دون الإشارة إلى المراحل السابقة لصدوره، علمًا أنّه صدر في الساعة 20:22 أي بعد سبع دقائق من منح الموافقة الثانية لانتقال فرق الإنقاذ وحوالي ساعة ونصف الساعة من توقّف قلب آمال.
وفي حال ثبوت قيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على سيارة الصليب الأحمر، نكون أمام جريمة حرب إضافية تتمثّل بتوجيه هجوم على وسائل النقل الطبية (القاعدة 29 من القواعد العرفية).
الخلاصة
جثّتان في سيّارة محترقة، سيّارة ثانية تحترق، امرأتان مصابتان تدخلان إلى مبنى مجاور، وطلب رسمي لإجلاء ضحايا من الصحافة. هكذا كان المشهد في بلدة الطيري عندما قرر الجيش الإسرائيلي شنّ الهجوم الذي أدّى إلى مقتل الصحافية آمال خليل وإصابة المصوّرة زينب فرج.
وجد التحقيق أنّ الجيش الإسرائيلي استهدف آمال وزينب ولم يكن مقتل آمال ضررًا جانبيًا لعمل عسكري منفرد أو لأعمال عسكرية متسارعة، بل نتيجة سلسلة من ثلاث هجمات متتابعة وقعت في غضون ساعتين. وخلال تلك المدّة كان الجيش الإسرائيلي يراقب الأحداث الميدانية بشكل مستمّر عبر المسيّرات.
فقد شنّ ثلاث هجمات على موقع وجود الصحافيّتَين، الأولى على السيّارة المُرافقة لهما، والثانية على سيّارتهما، والثالثة على المبنى الذي لجأتا إليه للاحتماء من الهجمات. كما حاصر الصحافيّتَين في موقع الهجوم وعرقل أعمال إنقاذهما من خلال تأخير الموافقة على حركة فرق الإنقاذ وتهديدها. كلّ ذلك وهو على عِلْم بالصفة المدنيّة والصحافيّة لآمال وزينب قبل استهداف المبنى وعرقلة أعمال الإنقاذ.
وعليه، تُشير الأدلة المتوّفرة إلى تعمّد الجيش الإسرائيلي قتل آمال، مما يشكّل جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر شنّ الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية وإعاقة حركة فرق الإغاثة والقتل العمد للأشخاص المشمولين بحماية اتفاقيات جنيف.
لم تترك آمال الجنوب وقراه يومًا: “يسواني ما يسوا الناس”، قالتها أكثر من مرة اختصارًا لهذه العلاقة. تجول في القرى، تتفقّد أحوال أهلها، ترصد بالصوت والصورة الاعتداءات الإسرائيلية. كانت تعرف أهالي الجنوب حتّى يُخيّل لمن يرافقها هناك أنّها “تعرف كل الناس، كلّهم حرفيًا” كما يقول الصحافيون زملاؤها قاصدين شبكة العلاقات الواسعة التي بنتها في كلّ الجنوب عبر سنوات من العمل الميداني والمتابعة اليومية لشؤون الناس منذ العام 2006. كل ذلك جعلها مرجعًا في جهود توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب، ومرجعًا موثوقًا ومُحبّبًا للصحافيين.
باغتيال آمال فقد الجنوب، جزءًا من صوته وذاكرته ومن يروي حكايته للعالم، وفقد الصحافيون مرجعًا لا يبخل عليهم بالمعلومة ولو كانت سبقًا صحافيًا.



