
ليس أفظع من تلك المشاهد التي توثّق التفجيرات الضخمة التي ترتكبها إسرائيل في جنوب لبنان. في بني حيان، دوّى صوت تفجير ضخم أعقبته سحب دخان بيضاء. المنصوري صارت أثرًا بعد عين، وحداثا لم تنجُ. بلدات لم يعد منها إلا الاسم. كارثة حلّت، ولا يجد الجنوب من ينقذ ما تبقى منه أو يضع لإسرائيل حدّاً لجرائمها.

ليس الدمار بذاته هو الكارثة، وإنما الآثار الناجمة عن التفجيرات. وأفاد مصدر ميداني لبناني لوكالة «نوفوستي» بأن إسرائيل استخدمت ذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، مما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة وأضرار في الأراضي الزراعية والحرجية. وقال المصدر: “قصف الجيش الإسرائيلي بالفوسفور الأبيض محيط بلدة بني حيان، ومنطقة الدبشة، ومساحات شاسعة من قضاء النبطية، مما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية والحرجية”.
وشدّد المصدر على أن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل مثل هذه الذخائر، والتي يتضرر منها أيضاً القطاع الزراعي في البلاد.
سياسياً، بقي موعد المفاوضات المرتقبة في علم الغيب، ويتوقف على نتيجة الحراك الأميركي من أجل التوصل إلى اتفاق بشأنها، في ظل إصرار واشنطن على ضرورة استكمال هذه المفاوضات. كما لم يُتّفق على منطقة تجريبية ثانية، ولا يزال البحث قائماً بشأن الدولة التي ستراقب تنفيذ العمليات في المناطق التجريبية، وكذلك بشأن القوة التي ستخلف “اليونيفيل”، إذ إن هناك دولاً كثيرة أبدت استعدادها لذلك، منها إيطاليا، لكنها في الوقت نفسه تخشى استمرار الاعتداءات والعمليات العسكرية، ما يهدّد حياة عناصرها في الجنوب اللبناني.
وهذه الموضوعات أُدرجت في صلب مباحثات أجراها قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، خلال زيارة رسمية لإيطاليا استمرت ثلاثة أيام، التقى خلالها نظيره لوتشيانو بورتولانو. تناول الجانبان دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، التي تشارك فيها وحدة إيطالية، ورؤية روما ودورها في مرحلة ما بعد “اليونيفيل”.

وتلقّى هيكل اتصالاً من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، أكد خلاله استمرار دعم بلاده جهود الجيش اللبناني، فيما شدّد أمين سر دولة الفاتيكان، الكاردينال بييترو بارولين، خلال لقائه هيكل، على ضرورة إرساء السلام في لبنان ودور الجيش في صون أمن البلاد.
وأشار بيان صادر عن قيادة الجيش في لبنان إلى أن بورتولانو أكد لهيكل أن استقرار لبنان أولوية استراتيجية، مشيدًا بعلاقات الصداقة بين البلدين.
ولفت بورتولانو إلى أهمية دعم الجيش اللبناني، نظرًا لدوره الأساسي في الحفاظ على الأمن والاستقرار، مشيرًا إلى أن الطرفين تطرقا إلى الدور الرئيسي لقوة “اليونيفيل”، التي تشارك فيها الوحدة الإيطالية، إضافة إلى البعثة العسكرية الثنائية الإيطالية في لبنان واللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان.
عيسى: لماذا لا تطلبوا من حزب الله تسليم سلاحه؟
وكرّر السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، بعد لقائه مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، في دار الفتوى، أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال مرتبط بعدم تنفيذ حزب الله أي التزام. وتحدث عن تقدّم على صعيد المناطق التجريبية، “لكن ما يُحدَّد على الورق يحتاج إلى وقت ليُترجم على الأرض”، وفق تعبيره، من دون أن يُحدّد في المقابل موعد جلسة التفاوض المقبلة.
وقال عيسى إنّ “المفاوضات لم تتوقف، وهي تقنية في روما، وعندما تكون تقنية فهي لا تحتاج إلى موعد معين، فعندما نريد حلّ مسألة معينة نجري التفاوض، أما المسائل السيادية، فيُحدّد موعد مسبق لها، ليكون متوافقاً مع مواعيد الوفود”.

وحول التطورات المتعلقة بتلّة علي الطاهر، وما يُحكى عن “أيلول الأسود”، أجاب عيسى، بعد لقائه دريان، في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين: “لا أعرف الوضع هناك، وسنرى ما سيحصل في اليومين المقبلين، ولا أحب تعبير أيلول (سبتمبر) الأسود”.
وبشأن المناطق التجريبية، ردّ عيسى: “هناك تقدّم إلى الأمام، وقلت قبل أسبوعين: كل شيء يتحدّد على الورق يحتاج إلى وقت ليُترجم على الأرض”، مضيفًا: “رئيس مجموعة التنسيق العسكرية، الجنرال جوزف كليرفيلد، ينسّق مع اللبنانيين والإسرائيليين والأميركيين حول ذلك”.
ورداً على سؤال عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب والمخاوف من توسّع العمليات العسكرية، أجاب عيسى: “الاعتداءات تحصل خارج المنطقة التجريبية، ولم نتوصّل إلى وقفها بعد”.
وأردف: “تتحدثون عن وقف اعتداءات إسرائيل وضرورة انسحابها، ولكن لا تطلبون من حزب الله “يشيل” (يسلّم) سلاحه”، مضيفاً: “لماذا تطلبون من إسرائيل القيام بخطوات، وحزب الله لم يقل مرّة واحدة إنه سيقوم بخطوة، بل يتحدّث دائمًا أنه لن يتخلى عن سلاحه”.
وعن احتمال تفاوض واشنطن مع حزب الله، أجاب السفير: “مستعدّون للتفاوض معه إذا كان لديه شيء يقدّمه لنا”.
عون: المفاوضات أفضل من الحرب
من جهة الموقف اللبناني الرسمي، أكد رئيس الجمهورية، جوزيف عون، أن المفاوضات مع إسرائيل تبقى “أفضل من الحرب”، رغم ما يعترضها من عراقيل وصعوبات، مؤكداً أنها “ليست سهلة أو سريعة”، لكنها تظل الخيار الوحيد لتحرير الجنوب ونشر الجيش اللبناني على طول الحدود.
وجاء ذلك خلال استقباله وفداً من المجلس العام الماروني في قصر بعبدا، حيث أوضح عون أن الدولة تخوض أيضاً “حرباً ضد البعض الذي يرفض منطق الدولة”، مؤكداً التمسك ببناء مؤسسات الدولة وتعزيز سلطتها.
وشدّد عون على أن “بناء الأوطان مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق شخص أو طرف واحد”، مشيراً إلى أن اللبنانيين “يلتقون على الأهداف نفسها: تحرير الجنوب، ونشر الجيش حتى الحدود، واسترجاع الأسرى، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار”.
وأردف أن هذه الأهداف “لا يمكن تحقيقها بالحرب كما تبيّن، فلا خيار بالتالي إلا التفاوض”.



