311 غراماً في دبي تفجّر شبكة في لبنان… “مواقع سرية” وحوالات وسيارات مسروقة!

بدأ الخيط من توقيف رجل آسيوي في دولة الإمارات وضبط 311 غراماً من الكوكايين بحوزته. لكن الاسم الذي أدلى به خلال التحقيق نقل القضية سريعاً من دبي إلى لبنان، حيث قادت ملاحقة أمنية إلى شقة في أدما، ثم إلى مخدرات وهواتف وحوالات مالية ومواقع جغرافية استخدمت لتسليم “البضاعة”، قبل أن ينفتح ملف آخر أكثر غموضاً يتعلق بسيارات يُشتبه في أنها مسروقة.
وفي ختام التحقيقات، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على الأشخاص الذين أظهرتهم التحقيقات، كل بحسب الفعل المنسوب إليه، بعدما تولت المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي سمرندا نصار متابعة القضية وإعطاء الإشارات المتعلقة بالتحري والتوقيف والتفتيش والاستدعاء ومنع السفر وضبط الهواتف وتتبع الاتصالات والحوالات والتنسيق مع السلطات الإماراتية.
البداية تعود إلى 21 تموز 2026، عندما وجّهت وزارة الداخلية الإماراتية، ممثلة بالإدارة العامة الاتحادية لمكافحة المخدرات، كتاباً إلى مكتب مكافحة المخدرات المركزي في لبنان. وأفاد الكتاب بتوقيف شخص آسيوي وضبط نحو 311 غراماً من الكوكايين بحوزته للاشتباه في حيازتها بقصد الترويج، وبأن التحقيق معه قاد إلى شخص موجود في لبنان يزوده، بحسب الإفادة الإماراتية، بتوجيهات لتسلّم المخدرات وتوزيعها داخل الإمارات.
الاسم الوارد في الكتاب كان جاد حدشيتي.
أحيلت المعلومات عبر المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى وحدة الشرطة القضائية والنيابة العامة التمييزية، فأشارت القاضي نصار بتعميم بلاغ بحث وتحر لمدة شهر بحق حدشيتي، وتحديد مكانه وتوقيفه وتفتيش منزله، إضافة إلى طلب حركة اتصالاته ودخوله وخروجه من الأمن العام.
قادت التحريات إلى شقة يملكها صديقه عبد الله بو خليل، مواليد 1991، في مجمع “أدمير” في أدما. وشاهدت الدورية بو خليل قرب المجمع فأوقفته، من دون أن تعثر بحوزته على ممنوعات، وضبطت هاتف “آيفون” يستخدم شريحة لبنانية.
أفاد بو خليل بأن حدشيتي نائم داخل الشقة، وأن مفتاحها موجود تحت ممسحة الباب. دخلت القوة وأوقفت حدشيتي، وضبطت هاتفين من نوع “آيفون”. وداخل خزانة صغيرة في غرفة الجلوس، عثرت على عبوة بلاستيكية تحتوي على الكوكايين، وميزان صغير على شكل مفتاح سيارة، وكسارة معدنية وأنبوبين ودفتر لف سجائر وبطاقة “فيزا” باسم حدشيتي صادرة عن “ويش موني”.
انتقلت القوة بعد ذلك إلى منزل عائلة حدشيتي في كفور المشروع الماروني، حيث سمحت شقيقته مريم، مواليد 2006، بتفتيش غرفته، ثم إلى منزل آخر له في دلبتا، من دون العثور على ممنوعات إضافية.
وبوزن المادة المضبوطة، تبين أنها 14.93 غراماً من الكوكايين، وأن الميزان صالح للاستعمال. كما أظهر سجل المكتب 3 أسبقيات بحق حدشيتي مرتبطة بتعاطي المخدرات خلال أعوام 2017 و2018 و2019، وأسبقية بحق بو خليل تعود إلى عام 2013 بجرم يتعلق بالتعاطي والترويج.
لكن المفاجأة الحقيقية خرجت من الهواتف.
فبعد إطلاع القاضي نصار على محادثات ومعلومات تتصل بنشاط مخدرات داخل الإمارات، أشارت بالاستماع إلى إفادتي الموقوفين وتنظيم محضر منفصل في شأن الترويج داخل لبنان.
وبعد إبلاغه حقوقه القانونية، أقر حدشيتي بأن الكوكايين والهواتف والميزان تعود إليه. وقال إنه يعرف الآسيوي الموقوف في الإمارات منذ نحو 5 سنوات، عندما كان يعمل في دبي بالعقارات، وإنه باكستاني يُعرف بلقب “ميلانو” ويعمل لدى جورج رزق، صاحب معرض سيارات.
وبحسب إفادته، عرّفه “ميلانو” إلى باكستاني آخر ملقب بـ”المطراش”، كان يوزع المخدرات في الإمارات. وكان حدشيتي يتواصل معه للحصول على الكوكايين والحشيشة للتعاطي، ويحوله إليه بالعملات المشفرة، فيما يضع المروج المخدرات في موقع محدد ويرسل صورة للمكان ورابطاً عبر “غوغل مابس”.
وقال حدشيتي إن هذه الطريقة استمرت نحو سنة، وإنه بقي على تواصل مع “ميلانو” بعد عودته إلى لبنان منذ نحو سنتين. كما أقر بأنه طلب منه تأمين المخدرات لشخص أردني معروف بـ”أبو حمد”، وآخر صيني يُدعى “سوكو”.
ووفق إفادته، كان “ميلانو” يسلّم الكميات ويقبض ثمنها ثم يحول إلى حدشيتي حصته. ففي عملية، تسلم “أبو حمد” 3 غرامات من الحشيشة لقاء 350 دولاراً، قال حدشيتي إن ربحه منها بلغ 50 دولاراً. وفي عملية أخرى، تسلم 5 غرامات من الكوكايين لقاء 5000 درهم، بحصة بلغت 1000 درهم لحدشيتي.
أما “سوكو”، فتسلم مرة 10 غرامات من الحشيشة لقاء 500 دولار، قال حدشيتي إن ربحه منها بلغ 75 دولاراً، إضافة إلى عملية أخرى مرتبطة بـ3 غرامات من الكوكايين.
وقبل توقيف “ميلانو” بنحو شهر، أرسل إلى حدشيتي صورة لكمية كبيرة من الكوكايين وعرض خفض السعر. فعرض الأخير على “سوكو” 30 غراماً لقاء 20 ألف درهم، على أن يبلغ ربحه 5000 درهم، إلا أن توقيف “ميلانو” أحبط الصفقة.
واعترف حدشيتي بأن أموالاً ناتجة عن تلك العمليات حُوّلت إليه من الإمارات إلى لبنان عبر شركات تحويل، وكان يقبضها بواسطة “ويسترن يونيون”. لكنه نفى علم جورج رزق بنشاط العامل لديه، كما نفى أن تكون كمية الـ311 غراماً المضبوطة في الإمارات عائدة إليه.
ووصف “أبو حمد” بأنه أردني في نحو الثانية والأربعين ويعمل في العقارات، و”سوكو” بأنه صيني في نحو الثلاثين يقيم في وسط دبي.
أما كوكايين أدما، فقال إنه مخصص لتعاطيه مع بو خليل، وإنهما اشتريا قبل نحو أسبوع من توقيفهما 17 غراماً من شخص لبناني من البقاع يُعرف بـ”أبو دعاس”، ويعتقد أن اسمه الأول محمد، لقاء 1000 دولار. ووفق إفادته، حضر عامل لدى “أبو دعاس” بسيارة “نيسان بيك آب” بيضاء وبرفقته طفل صغير وسلّمهما العبوة.
كما تحدث عن شراء 10 غرامات أخرى لقاء 550 دولاراً قرب سوبرماركت فضول في صربا، من شخص حضر بسيارة “BMW” سوداء. ووصف “أبو دعاس” بأنه في نحو الثلاثين، طويل ونحيف وأسمر البشرة وشعره أسود، نافياً أن يكون قد روّج المخدرات داخل لبنان.
وفي استجواب ثانٍ بتاريخ 14 آب، وُوجه حدشيتي بالكتاب الإماراتي الذي يتهمه بإدارة شبكة توزيع من لبنان. فرفض رواية الموقوف الآسيوي، وأصر على أن “ميلانو” كان يؤمّن المخدرات ويوزعها لحسابه، وأن دوره اقتصر على تأمينها لأشخاص يعرفهم.
وبفحص هاتفه، ظهرت محادثات مع شخص آخر يحمل أيضاً لقب “المطراش”، استعان به حدشيتي، وفق إقراره، لتأمين المخدرات لـ”سوكو” بواسطة المواقع الجغرافية. وشملت العمليات غراماً من الكوكايين لقاء 1100 درهم، وغرامين من الحشيشة لقاء 1000 درهم، ثم 3 غرامات من الحشيشة لقاء 500 درهم بعد توقيف “ميلانو”.
كما أظهرت محادثة بتاريخ 12 شباط 2026 أن مستخدماً محفوظاً باسم “DD2” عرض كمية حشيشة لقاء 30 ألف درهم، فعرضها حدشيتي على شخص مسجل باسم “عبد الله” لقاء 35 ألفاً، إلا أن الصفقة لم تتم. وفي 9 آذار، عرض “DD2” عشر حبات كبتاغون لقاء 500 درهم، فعرضها حدشيتي على الشخص نفسه لقاء 1000 درهم، من دون إتمام العملية.
وفي 25 حزيران، طلب حدشيتي من “ميلانو” فيديو يظهر المخدرات الموجودة لديه مع التاريخ، بهدف عرضها، بحسب إفادته، على معارفه في الإمارات.
وكشفت محادثة أخرى تسليم مخدرات لقاء 4000 درهم، طلب حدشيتي اقتطاع 400 درهم منها عمولة وإيداع 3600 درهم في حساب رامي صبويان. وقال إن داني منصور طوق أعطاه اسم رامي ورقم حسابه، وإن الأموال وصلت لاحقاً إلى داني الذي حولها إلى لبنان، نافياً علمه بمصدرها.
وفي 9 تموز، أظهرت المحادثات أن “ميلانو” سلّم فتاة في الإمارات 5 غرامات من الكوكايين لقاء 4000 درهم، واحتفظ بـ500 درهم عمولة، وحوّل الباقي إلى لبنان عبر شركة الأنصاري، حيث قبض حدشيتي حوالة بنحو 700 دولار.
وعندما سُئل عن تحويلات أخرى من داني منصور طوق وبول حلوجيان وشخص مغربي وماريان مهنا، قدّم تفسيرات مرتبطة بديون وعمولات سيارات ومعاملات مالية، نافياً ارتباطها بالمخدرات.
لكن الهاتف فتح مساراً آخر. فقد ظهرت محادثات عن سيارات قال حدشيتي إنها مسروقة وموجودة في دبي، وزعم أن جورج رزق وشقيقه جوزف يعملان في بيع سيارات مستوردة بصورة غير قانونية، وأن جوزف موقوف في الإمارات. كما قال إن وائل مجاعص أرسل سيارة مسروقة إلى جوزف، وفق ما أخبره جورج. وهذه ادعاءات بقيت موضع تحقيق ونفاها أشخاص وردت أسماؤهم.
أما عبد الله بو خليل، فجاء فحصه المخبري إيجابياً للكوكايين والحشيشة. وأقر بالتعاطي وبالحصول على المخدرات مجاناً من حدشيتي، وقال إنه يعلم منذ نحو سنة أن الأخير يعمل في تجارة المخدرات داخل الإمارات، من دون معرفته بالتفاصيل.
وأظهر هاتفه محادثة مع مصري يدعى محمد يقيم في الإمارات، طلب منه في تموز 2025 تأمين غرام من الكوكايين. فأرسل بو خليل الطلب إلى حدشيتي، الذي تولى، بواسطة شخص يعمل معه، وضع الكمية في موقع جغرافي وإرسال الصورة والرابط. وقال بو خليل إن العملية حصلت مرة واحدة ومن دون مقابل، وإنه كان يشتري للتعاطي من باكستاني ملقب بـ”المطراش” بالطريقة نفسها، لقاء 1000 درهم للغرام.
وفي 17 آب، حضر بول حلوجيان، فجاء فحصه إيجابياً للكوكايين والحشيشة. وقال إنه يعرف حدشيتي بسبب عمله مع والد زوجته جورج رزق في تجارة السيارات، نافياً علمه بنشاطه في مخدرات دبي.
ووُوجه حلوجيان بـ9 حوالات أرسلها إلى حدشيتي بين 2 تشرين الأول 2025 و7 كانون الثاني 2026، تراوحت بين 300 و2000 دولار، فقال إنها عمولات عن بيع سيارات حوّلها بطلب من جورج رزق.
وأقر بتعاطي الكوكايين مرتين في الإمارات، وبالحصول عليه عبر مروج باكستاني مسجل باسم “باكستاني توتو” بواسطة الحوالة والموقع الجغرافي. كما أقر بأنه اشترى الكوكايين من حدشيتي في لبنان نحو 50 مرة لقاء 100 دولار للغرام، إضافة إلى كميات من الحشيشة.
وحضر أنطوان يونس قرقماز، مواليد 1985، فجاء فحصه إيجابياً للكوكايين. وأقر بتعاطيه بصورة متقطعة منذ نحو 4 سنوات وشراء الكوكايين من حدشيتي لقاء 100 دولار للغرام، وقال إنه يعرف أن حدشيتي يروّج في لبنان، من دون أن يعرف ما إذا كان يفعل ذلك في الإمارات.
وأوضح أنه كان في سريلانكا خلال شباط وآذار 2026، ثم انتقل إلى دبي، حيث طلب من حدشيتي كمية صغيرة. وعندما علم الأخير أن جورج رزق سيقله من المطار، طلب منه أن يسأل جورج عن الكوكايين، إلا أن جورج أجابه بأنه لا يملك شيئاً. وقال قرقماز إن جورج يتعاطى الكوكايين، بحسب معرفته، لكنه لا يعرفه كمروج، نافياً العمل معه في سيارات مسروقة.
وأظهر جواز قرقماز دخوله سريلانكا في 26 شباط وخروجه منها في 5 آذار، ثم دخوله لبنان في 6 آذار، من دون ختم إماراتي. فعزا الأمر إلى استخدام البوابات الإلكترونية في مطار دبي، وتعهد بإبراز جوازه القديم وتذكرة السفر وحجز الفندق والتأشيرة، فأشارت القاضي نصار بالتدقيق في هذه المستندات.
واستُمع أيضاً إلى وائل مجاعص، مواليد 1990، الذي جاء فحصه إيجابياً للكوكايين. وقال إنه يعمل في تجارة السيارات في الإمارات وجورجيا، ويعرف حدشيتي من خلال جورج رزق. ونفى علمه بترويجه في الإمارات، لكنه قال إنه يعرف بنشاطه في لبنان، وأقر بشراء الكوكايين منه مرتين.
وأوضح أن الرقم الذي أعطاه لحدشيتي يعود إلى صراف سوري يُلقب بـ”أبو علي” يعمل في دبي، وأن حدشيتي طلبه لإجراء تحويل قال إنه مرتبط ببيع سيارة. كما قال إن “الحمصي” يعمل لديه في السيارات، وإنه أرسله مرة لفحص سيارة “BMW”، نافياً بصورة قاطعة إرسال سيارة مسروقة إلى جورج أو جوزف رزق أو معرفته بأي نشاط غير قانوني لهما.
ولم يُظهر التدقيق الأولي في هواتف مجاعص وقرقماز وحلوجيان مواد مرتبطة بالمخدرات أو أموراً مثيرة للريبة.
وبناءً على النتائج، نُظم في 17 آب محضر مستقل في شأن تجارة المخدرات وترويجها داخل لبنان. وأشارت القاضي سمرندا نصار إلى تعميم بلاغ بحث وتحر بحق جورج رزق، وإعطاء داني منصور طوق مهلة للحضور ومنعه من السفر، وإعادة إبلاغ ماريان داود مهنا بوجوب الحضور.
وطُلب إجراء دراسات فنية على الهواتف التي تعذر تفريغها، والحصول على حركة الاتصالات والمواقع الجغرافية للأرقام الواردة في التحقيق، ومخاطبة “OMT” و”ويسترن يونيون” و”ويش موني” للحصول على حوالات داني طوق وماريان مهنا وجورج رزق ووائل مجاعص وأنطوان قرقماز وبول حلوجيان وعبد الله بو خليل وجاد حدشيتي بين 19 آب 2025 و19 آب 2026.
كما أشارت إلى تنظيم محضر منفصل بشأن السيارات المشتبه في سرقتها وإحالته إلى الجهة المختصة بمكافحة السرقات الدولية، باعتبار أن هذه الوقائع ما زالت قيد التحقيق وتواجه نفياً ممن وردت أسماؤهم.
وفي 20 آب، قررت إبقاء جاد حدشيتي وعبد الله بو خليل وبول حلوجيان ووائل مجاعص موقوفين، وتزويد مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال بملخص عن الحوالات والوقائع المالية، وإبلاغ السلطات الإماراتية بنتائج المتابعة اللبنانية.
هكذا، لم يبق الكتاب الإماراتي مجرد مراسلة بين جهازين أمنيين. فالـ311 غراماً التي ضُبطت في دبي قادت إلى 14.93 غراماً في أدما، ومنها إلى سلسلة أسماء وهواتف وحوالات ومواقع سرية للتسليم، ثم إلى شبهة سيارات مسروقة.
بدأ التحقيق بنقطة على خريطة في دبي، لكنه عندما وصل إلى لبنان، كشف خريطة كاملة لا تزال فصولها مفتوحة.



