المجلس الدستوري يرسم حدود العفو العام… ضيّق دائرة المستفيدين واسقط الإمتيازات!

في قرار دستوري بارز، حسم المجلس الدستوري الطعن المقدّم من نواب تكتل “لبنان القوي” التابع للتيار الوطني الحر بقانون العفو العام رقم 70/2026، فأبقى على القانون من حيث المبدأ، مع إبطال أجزاء من بعض مواده وإخضاع أحكام أخرى لتحفّظات تفسيرية ملزمة، من شأنها تضييق نطاق المستفيدين من العفو وتوسيع دائرة الاستثناءات.
وفي قراره الصادر في 12 تشرين الأول 2026، ردّ المجلس طلب إبطال القانون برمّته، لكنه أقرّ إبطاله جزئياً، وأكد ضرورة تفسير عدد من أحكامه بما يتوافق مع الدستور والمبادئ القانونية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، حدود صلاحيات المجلس الدستوري في اعتماد التحفّظات التفسيرية وإبطال أجزاء من النصوص التشريعية، ومدى إلزامية هذه القرارات، وانعكاساتها على نطاق المستفيدين من قانون العفو العام.
يمين: التحفّظات التفسيرية تدخل في صلب صلاحيات المجلس الدستوري
ويؤكد الدكتور يمين أن اعتماد التحفّظات التفسيرية ليس إجراءً مستحدثاً أو خروجاً عن صلاحيات المجلس الدستوري، بل هو من الوسائل التي درج المجلس على استخدامها في قرارات سابقة، بهدف ضمان تفسير النصوص القانونية بما يتوافق مع الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية.
ويوضح أن المجلس الدستوري يستطيع، عندما يرى أن نصاً قانونياً يحتمل أكثر من تفسير، أن يحدّد التفسير الذي يعتبره متوافقاً مع الدستور، بما يحول دون اعتماد تفسيرات أخرى قد تؤدي إلى تطبيق النص على نحو يتعارض مع أحكام الدستور أو المبادئ الدستورية ذات الصلة.
ويشير يمين إلى أن التحفّظ التفسيري، عندما يصدر عن المجلس الدستوري بصورة ملزمة، لا يُعدّ مجرد رأي أو توصية، بل يفرض التقيد بالتفسير الذي حدّده المجلس عند تطبيق النص، بما يلزم الجهات القضائية والإدارية المعنية، كلٌّ ضمن نطاق اختصاصه.
إبطال أجزاء من القانون لا يستدعي إعادة إقراره في مجلس النواب
وفي ما يتعلق بإبطال بعض العبارات أو الأجزاء من قانون العفو العام، يوضح يمين أن الإبطال الجزئي يدخل أيضاً في صلب صلاحيات المجلس الدستوري، ولا يعني بالضرورة سقوط القانون بكامله.
ويترتب على الإبطال الجزئي استبعاد الأحكام أو العبارات التي قرر المجلس عدم دستوريتها، فيما يبقى سائر القانون قائماً، متى أمكن فصله عن الأجزاء المبطلة، مع مراعاة ما أورده المجلس من تحفّظات تفسيرية ملزمة.
وبناءً على ذلك، فإن تنفيذ قرار المجلس لا يتوقف على إعادة القانون إلى مجلس النواب لإقراره مجدداً، ولا تحتاج التحفّظات التفسيرية إلى تصويت نيابي جديد كي تصبح ملزمة، فالمطلوب هو تطبيق القانون وفق الصيغة التي استقر عليها القرار الدستوري، ضمن حدود ما قضى به المجلس.
قرار المجلس يضيّق دائرة المستفيدين من العفو العام
وفي قراءته لنتائج القرار، يرى يمين أن المجلس الدستوري اتجه إلى تضييق نطاق المستفيدين من قانون العفو العام، من خلال توسيع الاستثناءات وتقييد تفسير بعض الأحكام التي تحدّد الجرائم المشمولة بالعفو.
ويعني ذلك، وفق هذه القراءة، أن القرار لا يوسّع دائرة المستفيدين، بل يحدّ منها، بحيث تُستبعد حالات أو أفعال من نطاق العفو، أو تُفرض شروط تفسيرية تحول دون شمولها بأحكامه.
ويأتي هذا التوجه في إطار إخضاع قانون العفو العام للضوابط الدستورية والقانونية، ولا سيما أن العفو الشامل يشكّل استثناءً من القواعد العامة التي تقضي بالملاحقة والعقاب، ما يستدعي تفسير أحكامه ضمن الحدود التي يجيزها الدستور والقانون.
القرار الدستوري نهائي وملزم
أما في ما يتعلق بإمكان الطعن مجدداً بقرار المجلس الدستوري، فيؤكد يمين أن قرارات المجلس نهائية وغير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة، وفقاً للنظام القانوني الناظم لعمله.
وبالتالي، فإن القرار الصادر في الطعن بقانون العفو العام يحسم المراجعة الدستورية ضمن نطاقها، ولا يمكن إعادة طرح الطعن نفسه أمام المجلس بقصد مراجعة القرار أو تعديله عبر طرق الطعن العادية.
ويكرّس ذلك الطبيعة النهائية لقرارات المجلس الدستوري، ودورها في حسم النزاعات المتعلقة بدستورية القوانين، مع إلزام السلطات والجهات المعنية بمضمونها.



