إقتصاد

لا نجرؤ حتى على التفكير فيه: السيناريو الأسود للاقتصاد اللبناني خلال الفترة المقبلة

"ليبانون ديبايت"

يوم الجمعة، في الثالث والعشرين من تشرين الأول الماضي، وبينما كنت أقود سيارتي في شوارع العاصمة بيروت عند الساعة العاشرة صباحاً، استوقفني جواب أحد ضيوف البرامج الاقتصادية عن واقع الاقتصاد إذا شهدت المنطقة ولبنان جولة عنف جديدة قد تطيح بموسم الأعياد.

كان جواب الضيف حرفياً: “ما تسألني، منّي حابب فكّر. ما بعرف إذا بعد منحمِل ضربات”. كلمات بسيطة، خالية من الأرقام والتحليلات، لكنها تعكس سوداوية المشهد الاقتصادي اللبناني إذا خسرنا موسم الأعياد.

لنتخيّل معاً ما الذي قد نخسره:

الشوارع المزدحمة بمئات السيارات، وأنوارها التي تضيء ليالي الأعياد، من الضبية إلى جونية، ومن الحمرا إلى الأشرفية وجبيل والبترون…

المغتربون الذين يعودون إلى لبنان للقاء عائلاتهم، والأسواق التي تعجّ بالمتسوّقين، والمطاعم والفنادق التي تستعد لاستقبال المحتفلين.

نعم، تخيّلوا الأسواق من دون ازدحام قبيل موسم الأعياد.

وتخيّلوا ليلة رأس السنة بحفلات خجولة، بلا ذلك الصخب الذي لطالما ميّز لبنان وجعله وجهة سياحية خلال موسم الأعياد.

وتخيّلوا أن نفتقد حتى حملات التوعية التي اعتادت وزارة الداخلية إطلاقها لتحذير المواطنين من القيادة تحت تأثير الكحول ليلة رأس السنة!

ليست هذه مجرد صورة حزينة لموسم أعياد مختلف، بل احتمال يحمل في طيّاته تداعيات اقتصادية خطيرة على آلاف المؤسسات والعاملين فيها. فالاقتصاد لم يتعافَ بعد من تداعيات الحروب والأزمات المتلاحقة. ولبنان، الذي تكبّد خسائر هائلة وعانت مؤسساته من تراجع النشاط الاقتصادي وتآكل قدرتها على الصمود، قد يجد نفسه أمام خسائر إضافية لا يقوى على تحمّلها.

وفي هذا الإطار، حذّر رئيس تجمّع الشركات اللبنانية، الدكتور باسم البواب، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، من أن اندلاع حرب جديدة سيكون بمثابة كارثة على الاقتصاد اللبناني. وأعرب، في الوقت نفسه، عن أمله في ألّا تتدهور الأوضاع الأمنية، لافتاً إلى أن أي مواجهة محتملة مع إيران لا تعني بالضرورة امتداد الحرب إلى لبنان.

وأكد البواب أن المؤسسات اللبنانية لم تعد تملك القدرة على تحمّل المزيد من الصدمات، بعدما استنزفتها سبع سنوات من الأزمات المتلاحقة.

فمن الأزمة المالية والاقتصادية إلى انفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا، مروراً بالحروب التي شهدها لبنان والمنطقة، تلقّت المؤسسات ضربات متتالية أضعفت قدرتها على الاستمرار.

وأشار إلى أن المؤسسات التي كانت تُعدّ الأقوى في السوق اللبنانية باتت اليوم في وضع ضعيف جداً، وبعضها على شفير الهاوية. والأخطر أن هذه المؤسسات لا تواجه احتمال الإقفال بسبب حرب مستقبلية فحسب، بل إن موجة الإقفالات بدأت بالفعل.

الإقفالات بدأت… ووسط بيروت ليس بمنأى عنها

قد يتبادر إلى أذهان البعض سؤال مشروع: ألم يشهد لبنان حركة سياحية واغترابية خلال صيف 2026، بعدما استقبل أكثر من مليون زائر بين شهري حزيران وآب، فيما بلغ عدد الوافدين خلال شهر آب وحده نحو 370 ألف شخص؟ وهل يُعقل ألّا توفّر هذه الحركة مقومات للصمود أمام المؤسسات؟

صحيح أن هذه الأرقام قد تبدو إيجابية في ظل الظروف التي تمرّ بها المنطقة واستمرار خروقات وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، إلا أنها تخفي واقعاً أقل تفاؤلاً، إذ بقي عدد الزوار خلال أشهر الصيف الثلاثة أدنى بنحو 12% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

والأهم أن غالبية هؤلاء الزوار كانوا من المغتربين اللبنانيين الذين قصدوا وطنهم لزيارة عائلاتهم وأقاربهم، وأقام كثيرون منهم في منازلهم الخاصة أو لدى ذويهم. وهذا يعني أن إنفاقهم على الإقامة والخدمات السياحية لم يكن بالضرورة مماثلاً لإنفاق السياح الوافدين من الدول العربية والأوروبية.

وبالتالي، فإن الأعداد المسجّلة، على أهميتها، لم تنعكس بالقدر نفسه على إيرادات المؤسسات، ولا سيما الفنادق، التي كانت ستستفيد بصورة أكبر لو تمكّن لبنان من استقطاب أعداد إضافية من السياح الأجانب والعرب.

وفي هذا السياق، كشف البواب أن الموسم الصيفي كان مقبولاً نسبياً، لكنه لم يكن جيداً بما يكفي لتعويض الخسائر المتراكمة، فيما شهد النشاط الاقتصادي تراجعاً حاداً بعد انتهاء الصيف.

ووصف شهري أيلول وتشرين الأول بأنهما كانا ضعيفين جداً في مختلف القطاعات، مشيراً إلى تراجع الحركة الاقتصادية في الأسواق بصورة كبيرة.

ولم تقتصر التداعيات على المؤسسات الصغيرة، بل طالت أيضاً المطاعم والفنادق والشركات، وخصوصاً في قطاعَي السياحة والضيافة.

واستشهد البواب بما يشهده وسط بيروت التجاري، الذي يُعدّ من أبرز المراكز السياحية والاستثمارية والتجارية في لبنان، حيث أقفلت مطاعم عديدة أبوابها خلال الفترة الأخيرة، فيما أُغلقت بعض الفنادق كلياً، وأخرى جزئياً.

موسم الأعياد… 30% من الإيرادات السنوية قد تكون على المحك

وسط هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى الشهرين الأخيرين من العام، وخصوصاً شهر كانون الأول، الذي يُعدّ من أهم الأشهر لقطاعات اقتصادية عديدة، ويشكّل فرصة للمؤسسات لتحقيق الأرباح وطوق نجاة لمؤسسات مهددة بالزوال.

وأشار البواب إلى أن شهر كانون الأول قد يشكّل، في بعض الأحيان، ما بين 20 و30% من مداخيل بعض الشركات وأرباحها السنوية.

فخلال هذا الشهر، تنتعش الأسواق مع اقتراب عيدي الميلاد ورأس السنة، وتزداد حركة التسوّق وشراء الهدايا، إضافة إلى المبيعات المرتبطة بعروض “Black Friday”، فضلاً عن عودة المغتربين وتوافد السياح.

وتنعكس هذه الحركة على المطاعم والفنادق والمؤسسات التجارية والسياحية، التي تعتمد على الموسم لتعزيز إيراداتها وتعويض جزء من خسائر الأشهر السابقة.

لكن خسارة هذا الموسم قد تكون لها تداعيات تتجاوز انخفاض الأرباح هذا العام.

وبحسب البواب، تنتظر مؤسسات عديدة نتائج شهري تشرين الثاني وكانون الأول لاتخاذ قرارها بشأن الاستمرار أو الإقفال. فإذا لم تحقق النتائج المرجوة قبل نهاية السنة، فقد تتجه إلى إقفال أبوابها مع بداية العام المقبل.

أما إذا اندلعت حرب جديدة خلال موسم الأعياد، فإن فرص تحقيق هذه الإيرادات ستتراجع بصورة كبيرة، ما قد يدفع المزيد من المؤسسات إلى الإقفال وصرف موظفيها.

اقتصاد لبنان… من نحو 40 مليار دولار إلى 35 ملياراً؟

ولا تتوقف المخاوف عند حدود المؤسسات التجارية والسياحية، بل تمتد إلى حجم الاقتصاد اللبناني نفسه.

فبحسب التقديرات التي عرضها البواب، اقترب حجم الاقتصاد اللبناني من 40 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما يتجه حالياً إلى التراجع إلى حدود 35 مليار دولار خلال العام الحالي، نتيجة التداعيات السلبية للحروب التي شهدها لبنان والمنطقة.

كما يتوقع أن يسجّل الاقتصاد انكماشاً بنحو 8% خلال السنة، معتبراً أن الحروب المتلاحقة تعرقل فرص التعافي وتدفع الاقتصاد إلى مزيد من التراجع.

وهذا الانكماش، إذا تحقق، لن ينعكس على المؤشرات الاقتصادية العامة فحسب، بل سيطاول النشاط التجاري والاستثمارات والإنتاج وفرص العمل، ويزيد الضغوط على المؤسسات التي تعاني أصلاً من ضعف السيولة وتراجع الإيرادات.

وتكمن الكارثة الكبرى في أن عودة الحرب لا تهدد ما تبقى من المؤسسات فحسب، بل قد تستنزف مليارات إضافية من اقتصاد أنهكته الأزمات المتراكمة.

وقدّر البواب الخسائر التي تكبّدها لبنان نتيجة حربي 2023 و2026 بنحو 25 مليار دولار، تشمل الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية غير المباشرة.

وأوضح أن هذه الخسائر لا تقتصر على الدمار الذي لحق بالمباني والمنشآت والبنى التحتية، بل تشمل أيضاً تراجع النشاط السياحي، وانخفاض الاستثمارات، وضياع الفرص الاقتصادية.

وفي حال عودة الحرب، يقدّر البواب أن لبنان قد يخسر نحو 500 مليون دولار شهرياً، أي ما يعادل نحو 6 مليارات دولار سنوياً، مشيراً إلى أن الكلفة السنوية قد تتراوح، وفق تقديراته التقريبية، بين 6 و7 مليارات دولار.

في المقابل، رأى البواب أن توقف الحرب نهائياً في لبنان والمنطقة قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الانتعاش الاقتصادي، من خلال إعادة الإعمار وعودة الاستثمارات وتحسّن الحركة السياحية والتجارية.

ولا يستبعد إمكان تسجيل معدلات نمو من خانتين في حال توافرت الظروف المناسبة، مستشهداً بالانتعاش الاقتصادي الذي شهده لبنان بعد حرب تموز 2006 واتفاق الدوحة عام 2008.

البطالة… نسب مرتفعة مرشحة لمزيد من الارتفاع

ومن بين أخطر التداعيات المحتملة لأي حرب جديدة، يبرز ملف البطالة، الذي يشكّل أصلاً أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.

وأشار البواب إلى أن نسبة البطالة تبلغ نحو 11% وفق الأرقام الرسمية، لكنه قدّر أن النسبة الفعلية تتجاوز 20%، وقد تصل في بعض المناطق، مثل بعلبك والهرمل وعكار، إلى ما بين 30 و40%.

وحذّر من أن أي حرب جديدة ستؤدي إلى ارتفاع إضافي في معدلات البطالة، نتيجة تراجع نشاط المؤسسات وإقفال المزيد منها وصرف الموظفين.

لكن البواب أوضح أن تحديد نسبة ارتفاع البطالة يبقى مرتبطاً بمدة الحرب واتساعها والمناطق التي ستطاولها، ومدى تأثر المرافق الحيوية، ولا سيما المطار والمرفأ.

فكلما طالت الحرب واتسعت رقعتها، ازدادت الضغوط على سوق العمل، وتراجعت قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بموظفيها.

إيرادات الدولة تتراجع 20%… والحرب تهدد بمزيد من الخسائر

ومن المخاطر التي لا يمكن التغاضي عنها تداعيات أي مواجهة جديدة القاسية على المالية العامة. فقد كشف البواب أن إيرادات الدولة تراجعت خلال السنة الحالية بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، نتيجة تداعيات الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي.

وأوضح أن الدولة اللبنانية تواجه صعوبات في تحصيل بعض الإيرادات في المناطق المتضررة، خصوصاً في الجنوب والبقاع الغربي، سواء تلك المرتبطة بالكهرباء، أو الناتجة عن ضرائب الدخل والأرباح، ورسوم تسجيل العقارات وانتقال الملكية، وبعض المستحقات البلدية.

وفي المقابل، يتوقع أن تتجاوز قيمة الاستيراد 20 مليار دولار هذا العام، ما قد يساهم في استمرار جزء من الإيرادات الجمركية.

إلا أن أي حرب جديدة ستؤدي، وفق تحذيراته، إلى مزيد من التراجع في الإيرادات، مع انخفاض النشاط التجاري والاستثماري والعقاري، وتراجع قدرة المؤسسات والأفراد على تسديد مستحقاتهم.

وهذا يعني أن الدولة نفسها قد تواجه ضغوطاً مالية إضافية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الإنفاق على الخدمات والمساعدات وإعادة الإعمار.

ليست كل القطاعات قادرة على الصمود

تجدر الإشارة إلى أن تداعيات أي مواجهة جديدة لن تكون متساوية بين القطاعات، بل قد تكون أشد قسوة على المؤسسات التي تعتمد على الاستقرار الأمني وحركة السياح والمغتربين والإنفاق الاستهلاكي.

وقد ميّز البواب بين القطاعات التي تعتمد على الاستهلاك الضروري وتلك المرتبطة بالإنفاق غير الأساسي. فالطلب على المواد الغذائية والمشروبات الأساسية والمحروقات يبقى قائماً حتى خلال الأزمات، لأن هذه السلع ترتبط بالحاجات اليومية للمواطنين.

أما القطاعات السياحية والفندقية والمطاعم والأنشطة الترفيهية وغيرها من الخدمات غير الأساسية، فتكون أكثر عرضة لتراجع الحركة والإيرادات عند اندلاع الحروب.

هل يتحمّل لبنان خسارة موسم الأعياد؟

في ضوء هذه المعطيات، لا تعود خسارة موسم الأعياد مجرد احتمال لتراجع الحركة التجارية والسياحية، بل تصبح سيناريو اقتصادياً قد يحمل تداعيات واسعة على المؤسسات والعاملين فيها، وعلى النمو الاقتصادي وإيرادات الدولة.

فإذا كان اقتصاد لبنان مهدداً بالانكماش، وكانت المؤسسات تواجه أصلاً صعوبات في الاستمرار، والبطالة مرتفعة، والإقفالات تتوسع، فإن خسارة موسم أساسي قد يوفّر لبعض الشركات ما يصل إلى 30% من مداخيلها السنوية ستكون ضربة إضافية يصعب تعويضها.

ولعل الأخطر أن بعض المؤسسات لم تعد تملك ترف انتظار موسم آخر أو تحمّل خسارة جديدة. لذلك، قد يكون من الصعب حتى التفكير في هذا الاحتمال، الذي قد يدفع المزيد من المؤسسات إلى الإقفال، ويرفع معدلات البطالة، ويكبّد الاقتصاد خسائر بمليارات الدولارات.

إنه السيناريو الأسود الذي لا نجرؤ حتى على التفكير فيه… ونأمل ألّا يضطر لبنان إلى عيشه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى