
لم تكن الحرب بالنسبة إلى الصحافيين اللبنانيين حدثاً يُغطّى من مسافة آمنة، ولا خبراً عاجلاً ينتهي بانتهاء البث. كانت امتحاناً يومياً للجسد والذاكرة والأمومة والخوف والواجب، وعبوراً قاسياً بين ما تراه العين وما يعجز القلب عن احتماله.
في الميدان، لم تعد الكاميرا أداة توثيق فقط. صارت أحياناً درعاً، وأحياناً عبئاً، وأحياناً سبباً إضافياً للخطر. خلف السترة الواقية من الرصاص، كان هناك صحافيون يحاولون أن يبدوا ثابتين أمام العدسة، بينما تتكسّر في داخلهم أشياء كثيرة لا تظهر على الشاشة.
هذه ليست حكاية مراسل واحد. إنّها شهادة جماعية لسبعة صحافيين لبنانيين وجدوا أنفسهم في قلب الحرب: إبراهيم غريب، جويس الحاج، أسمهان صفي الدين، زينب فرج، محمود غزيل، إيمان برق، وهشام حطيط. تكشف هذه القصص كيف تحوّل التحقق من المعلومة إلى معركة موازية تحت ضغط الخطر والتضليل، حيث تختلط الروايات ويصبح الشك جزءاً من العمل. حيث، بات لكل واحد منهم جبهة مختلفة: طريق مقصوف، بيت مدمّر، سيارة مستهدفة، شاشة تحقق، بث مباشر، غرفة فندق، أو هاتف يتلقى تهديدات وتعليقات وتخويناً. لكن الخيط الذي يجمعهم واحد: محاولة إنقاذ الحقيقة من تحت الركام.
إبراهيم غريب: حقيبة صغيرة وندوب أكبر من الحرب
في الأيام الأولى للحرب، وعلى أوتوستراد زحلة – الكرك، اقترب منّي شابًا يحمل كيسًا شفافًا فيه أشلاء أحد الشهداء. كانت المرّة الأولى التي أرى فيها بقايا إنسان، وصورته ظلّت تلاحقني طوال الطريق إلى الفندق. تلك الليلة لم أنم؛ كلّما أغمضت عيني عاد صوت الشاب يهمس: “تعال شوف الأشلاء”.
لم أتوقّع أن تطول مهمّتي ولا أن تترك في داخلي هذا الثقل. جئت إلى البقاع بحقيبة صغيرة، قبل أن أجد نفسي، بعد أسابيع، أنتقل بين بعلبك وبدنايل والنبي شيت وشعث، من مجزرة إلى أخرى. كلّ بيت مدمّر كان يحكي حياة توقّفت فجأة. في أحد الأيّام رأيت اسمًا يشبه اسم أخي بين الشهداء، فبكيت خلف الكاميرا. وفي يوم آخر، طلبت إليّ جدة شهيد أن أبكي… فبكيت شوقًا لأهلي ولمدينة بات الحزن قدرها.
أخفيت في حقيبتي شال أمّي. كلّما اشتدّ القصف، ألفّه حولي كأنّي أستعيد شيئًا من الأمان. لاحقًا وصلت إلى محيط الخيام، حيث صار الموت أقرب. حلّ عيد الفطر، ثم عيد أمّي، وأنا بعيد عنها للمرّة الأولى. غنّيت لها عبر الهاتف، وسمعتها تبكي وتطلب أن أعود، ولم أستطع.
كنت أبحث عن طريقة أتنفّس فيها، فاشتريت كرة سلّة ومضارب تنس ولعبة “السلّم والأفعى”. دقائق اللعب مع الزملاء كانت متنفسًا سريعًا وسط القصف. وفي غرفتي كنت أرفع صوت الموسيقى لأهرب من صوت المدفعية. لكن أكثر ما هزّني هو استشهاد زملائي: فاطمة فتوني، شقيقها، علي شعيب، ثم آمال خليل التي كنت أتواصل معها يوميًا. يوم رحيلها وقفت على الهواء وقلت: “أوقفوا آلة القتل الإسرائيلية ضدّ الصحفيين”، حتى لو لم يكن ذلك مهنيًا تمامًا.
كبرت في هذه الحرب أكثر ممّا يجب، وحملت ندوبًا لا تُمحى. ومع ذلك، حين يسألني أحدهم: “لو عرفت ما ينتظرك، هل كنت ستختار هذه المهنة؟” أتردّد لحظة… ثم أقول: نعم. لأنّ أحدًا يجب أن يروي ما يحدث.
جويس الحاج: أمّ أمام العدسة وقلب يرتجف خلف السترة
من خلف سترةٍ واقية تظنّها تحميني من كل شيء، أروي ما لم تستطع الكاميرا يومًا التقاطه. أنا جويس الحاج، مراسلة “التلفزيون العربي” في بيروت، ولم أدخل الحرب يومًا كمراقبة. دخلتها كأم، كامرأة، وكشاهدة تجرّ خلفها غبار القصف على كتفيها.
منذ بدأت التغطيات الميدانية تغيّر كل شيء. لم يعد يومي يُقاس بالوقت بل بنبض الحدث. صارت الوجبات مؤجلة، والنوم رفاهية، والعائلة محطة سريعة بين مهمة وأخرى. أعيش على حافة الخطر، لكن في قلب الحقيقة.
أصعب ما حملته ذاكرتي لم يكن صوت الصواريخ، بل صوت أم تنبش الركام بحثًا عن حياةٍ ضاعت. كانت لحظة تشييع الجنين في البزالية جرحاً آخر. هناك أدركت أن ما ننقله ليس خبراً… بل نهاية عالم لشخص ما.
نعم، اقتربت من الموت. في يارون عام 2023، عندما استُهدف الموكب الصحافي، شعرت أنّ بيني وبين النهاية ثانية واحدة. تكرّر الشعور قرب جسر الدلافة في البقاع الغربي، والمقاتلات فوق رأسي، وكأنّ الهواء كله يترصدني. كل تلك اللحظات غيّرتني: صارت الثانية حياة كاملة.
ما يبقيني في هذه المهنة ليس الشجاعة بل المسؤولية. مسؤولية أن أروي ما يُخشى أن يُمحى، وأن أكون شاهدة على الحقيقة في زمن تختلط فيه الروايات. هذا الالتزام هو ما يدفعني للاستمرار رغم الخوف.
نعم، أبكي. أحياناً بالصوت، وأحياناً بصمتٍ أثقل من الكلمات. على الهواء أبدو ثابتة، لكن بعد انطفاء الكاميرا تعود كل الصور دفعة واحدة. في النهاية، ثمة جزء من روحي يبقى دائماً هناك… خلف العدسة، حيث تركتُ قصص الناس ووجعهم.
أسمهان صفي الدين: عندما يصبح البيت خبراً لا يمكن بثّه
“29 أيلول 2024، الساعة وحدة بعد نص الليل. وصلت رسالة على جروب الصحافيين: تهديد جديد من أفيخاي أدرعي، والضاحية ضمن الأهداف… ومن بينها الشويفات – الأجنحة الخمسة.
“حاولت أقنع نفسي إنو الخطر بعيد عن بيتي، بس القلق كان أصدق من كل التطمينات. مع أول ضو، حملت كاميرتي ونزلت كالعادة لأسبق الخبر. بس الطريق هالمرة كان أثقل، والخوف يكبر معي خطوة بخطوة… لحد ما وصلت على الحقيقة: بيتي، وجزء منه مدمّر”.
“تجمّدت. ما صرخت، ولا انهرت. فقط وقفت. ولما حاول “الشباب” يمنعوني باعتبار إنو مجرد صحافية عم تصوّر، قلتلن: “هونيك بيتي”. بهاللحظة فتحوا الطريق، مش لصحافية… لصاحبة وجع”.
تلك اللحظة كانت كفيلة لتذكّرني أن مسافة الأمان وهم، وأن الصحافي يمكن أن يكون أول المتضرّرين قبل أن يكون أول الواصلين. “تركت المكان وأنا أحاول فهم كيف يمكن الاستمرار بالعمل في بلد يمكن أن يتحوّل فيه بيت الشخص لخبر وعليه هو أن يرويه”.
زينب فرج: الصحافية التي صارت جزءاً من الخبر
كنت بمهمة صحافية في الطيري مع زميلتي آمال. كان النهار عادي لحد ما تغيّر فجأة، كأن الطريق انقلب على زمن ما بعرفه. داخل السيارة لاحقِتنا المسيرات الإسرائيلية بشكل واضح، والخطر فوقنا ما كان شعور… كان ظلّ ثقيل عم يرافق كل حركة.
أول صاروخ ضرب السيارة اللي قدّامنا. شفت الرعب بعيون آمال، وبعيني أنا كمان. وبعد لحظات، كانت الضربة إلنا. الانفجار، الدخان، الحرارة… لحظة انشقت عن حياتين: قبل وبعد. آمال أصيبت وكانت تتألم، وكنت عم حاول أبقى حدّا بكلمات ما بتكفي شي.
زحفنا خارج السيارة واحتمينا بكراج قريب—ملجأ هش ما بيعرف الأمان. الساعات مرّت ثقيلة، نسمع إنو ما حدا قادر يوصل، وإن المنطقة بعدها مستهدفة. التعب غلب الخوف وغفوت، قبل ما يفيقني انفجار جديد. بعدها صارت التفاصيل ضبابية… بعرف بس إني لقيت حالي خارج الكراج، وآمال بقيت جوّا.
لما وصلت فرق الإنقاذ ونُقلت إلى المستشفى، عرفت الحقيقة: آمال استُشهدت.
واليوم، وأنا ما زلت بالمستشفى أتلقى العلاج، بفهم أكتر إنو بين الموت والحياة شعرة، وإنو خوذة الصحافة—قد ما كانت قوية—ما بتحمي قدّام آلة حرب ما بترحم…
محمود غزيل: مدقق المعلومات الذي يقاتل التضليل والذنب معاً
تدقيق المعلومات في زمن الحرب يجعلني هدفاً محتملاً لكل طرف لا تعجبه الحقيقة. عندما أكشف خبراً مضللاً يخدم رواية معيّنة، أو أُظهر تفاصيل عملية تُدين جهة ما، أصبح فوراً عدواً لها: جهات رسمية، جماعات مسلّحة، أو جمهور غاضب يرفض أي حقيقة تصطدم بمعتقداته.
وسط كل هذا، يبقى الوجع الشخصي الأكثر إيلاماً. فأنا أعمل من الخارج، وأنام مطمئناً على عائلتي الصغيرة، لكن قلبي يظلّ هناك، بين القصف والتهجير والخوف. يحملني شعور دائم بالذنب: كل إشاعة أفنّدها، كل حقيقة أكشفها، لا تستطيع حماية من أحب من صاروخ أو طائرة مسيّرة.
أصعب اللحظات حين أدقق أخبار الاستهدافات، أرى صور الضحايا والسيارات المدمّرة، وأبحث سريعاً عن أسماء قد أعرفها. في تلك اللحظات، التدقيق ليس عملاً صحافياً، بل مواجهة شخصية مع احتمال الفقد.
التضليل لا يأتي من طرف واحد. كما أتساءل عن ادعاءات المحتل، أجد نفسي مطالباً أيضاً بالتحقق من روايات حزب الله والمجموعات الأخرى. وفي الحالتين، أُهاجَم: مرة يتهمونني بأنني أعمل ضد لبنان، ومرة بأنني أستفيد من الخارج. تصل التعليقات إلى عائلتي، فلا أنجو أنا ولا من حولي.
في النهاية، أدرك أن تدقيق المعلومات في الحرب هو شكل هشّ من الصمود. أحارب الأكاذيب، وأحارب داخلياً شعور العجز والخوف. وما يبقيني واقفاً هو قناعتي أن الاستسلام للتضليل خيانة لكل من دفع حياته ثمناً للحقيقة على الحدود الجنوبية وفي كل لبنان.
إيمان برق: حين تصبح الحقيقة سبباً لهجوم إلكتروني
لم أكن أعلم أن جلسة بسيطة عام 2019 لمناقشة مشروع التخرّج ستغيّر مساري. كنت والدكتور المشرف نتحدّث عن تلك الأخبار والصور التي تعبر أمامنا يوميًا على السوشيال ميديا: كثيرٌ منها غير منطقي، وبعضها نعرف فورًا أنه غير صحيح، لكن يبقى السؤال: كيف نواجه هذا السيل من التضليل؟
من هنا وُلدت فكرة منصة تحقَّق… مساحة صغيرة تحاول فرملة الأخبار الكاذبة وإعادة نشر الحقيقة. ومع الوقت، ومع الهوية الجديدة، صارت تحمل اسم تحقَّق360.
كبرت المنصّة بسرعة، وكبرت معها الأزمات التي نغوص فيها. وكل أزمة كانت تعني موجة جديدة من الشائعات والكراهية… موجة لا تجرح الحقيقة فقط، بل تجرح الناس أيضًا. وبوصفي صحافية ومدقّقة معلومات، وجدت نفسي أمام تحديات لا تنتهي: الحقائق التي يصعب إثباتها، والجمهور الذي يغضب عندما تتعارض الحقيقة مع عاطفته، والهجمات التي تنهال عليك لمجرّد أنك قلت “هذا غير صحيح”.
لكن الحرب الأخيرة حملت لي قصتين لن أنساهما.
القصة الأولى
وصلني خبرٌ عن مقتل “صانع محتوى” معروف بخطابه التحريضي. الناس انقسموا بين من يبكي ومن يشمت ومن يترحّم. بحثت قليلًا ولم أجد أي دليل. وضعت الخبر جانبًا.
بعد يومين، ظهر الرجل نفسه في فيديو ساخر، يستهزئ بالناس الذين نَعَوْه. شعرتُ كأن أحدهم يصفعني. رأيت بوضوح كيف تُستغلّ الحرب والموت لصناعة “ترند”. كتبت منشورًا انتقدت فيه السلوك، ففتح ذلك بابًا من الهجوم. تعليقات جارحة، رسائل مهينة، وحتى رسالة منه يتهمني بأنّي أريد الشهرة على حسابه. أمام هذا الجنون، اخترت أن أُغلق المنشور أمام الغرباء، فقط لأحمي نفسي من جيوش الكراهية.
القصة الثانية
فيديو قاسٍ لاستهداف مجموعة من المقاتلين في بنت جبيل. بعده ظهر تحليل يزعم أنّ الفيديو “مفبرك” وأن المكان مختلف. لم أستطع تجاهل الأمر. بدأْت أبحث عبر خرائط الأقمار الاصطناعية. وفي اليوم التالي، سبقتني زميلتي ونشرت تحديد الموقع الصحيح، فشاركته فورًا لإيقاف التضليل.
لكن ما لم أكن مستعدة له هو الهجوم الذي تعرّضت له هي. تعليقات جارحة، تخوين، شتائم، رغم أنّها أخت شهيد يعرف جيدًا معنى أن تُقلب الحقيقة. لم أحتمل أن أراها وحدها، فبدأت أردّ على البعض وأشرح. أحد المهاجمين اعتذر لاحقًا، قال إنه كان يتفاعل بدافع الغضب والخوف، وإنّ المحتوى التحريضي جعله يسيء الفهم.
في النهاية، تعلّمت شيئًا واحدًا:الحقيقة ليست مجرد معلومة نكشفها… هي معركة. وكل تصحيح بسيط قد يبدو “تقنيًا” للآخرين، هو في الحقيقة خطوة صغيرة في وجه موجة ضخمة من الكذب، وسعره غالبًا ندفعه نحن… نفسيًا ومعنويًا، كل يوم.
هشام حطيط: الصحافي كخط دفاع أخير عن الحقيقة
أول خطوة إليّ داخل التغطية الميدانية كانت كأنها عبور لواقع جديد: دخان، صراخ، ناس تركض، وكل شي يتحرك أسرع من قدرتي أستوعبه. بهديك اللحظة فهمت أن الصحافة مش نقل خبر… بل مسؤولية إنسانية قدّام مشهد عم ينفجر بالحقيقة من كل الجهات.
ومع توسّع الحرب بالجنوب، تغيّر كل شيء.صرنا نشتغل تحت ضغط اللحظة، نكتب والخطر حوالينا، ننام على خبر ونفيق على غارة. اختفى الخط الفاصل بين الحياة الشخصية والعمل، وصار الإيقاع اليومي معلق بين النجاة وبين الواجب.
بوسط هالفوضى في مشاهد بتلحقك. أكترها قسوة: أمّ تبحث بين الركام عن صوت ابنها. الكاميرا كانت عم توثّق، بس جوا كان في شي عم ينكسر. بعض القصص نكتبها… وبعضها بتصير جزء منا.
ووسط كل هذا، بقيت المعلومة أخطر اختبار. خبر واحد غلط بيشعل غضب، بيضلّل، ويمكن يعرّض ناس للخطر. لذلك كان الشكّ هو البداية: صورة تُفحص، فيديو يُراجع، ومصدر يتقاطع مع غيره. الدقة بالحرب ما كانت مهنية فقط… كانت ضرورة للبقاء.
على المستوى الشخصي، التجربة تحمل أثقالها. الحرب بتفوت على البيت، على النوم، على الصوت اللي بيضلّ براسك. أصعب شي مش إنك تشوف الوجع، بل إنك تكمل بعد ما تشوفه.
وبعد كل هالمسار، تغيّرت نظرتي لدور الصحافي. صار واضح إنو مش مجرد ناقل للأحداث، بل شاهد، موثّق، ويمكن آخر حاجز بيفصل الحقيقة عن الرواية المصنوعة. ما زلت قادر أكمل… بس بوعي أكبر، وخوف أكبر، وإيمان أعمق بأنّ هالمهنة، رغم قسوتها، ضرورة.
انطلاقًا من الشهادات الميدانية التي قدّمها الصحافيون وما حملته من مؤشرات واضحة على أثر الحرب في سلوكهم ومشاعرهم، توجهنا إلى الدكتورة سهاد نحيلي بسؤال جوهري: كيف ينعكس هذا النوع من التعرّض المستمر للعنف على البنية النفسية للصحافي، وما الذي يحدث فعليًا خلف الكواليس العصبية والنفسية لهذه التجارب؟
توضح الدكتورة نحيلي أن مشاهدة العنف يوميًا وسماع الانفجارات والعيش بحالة خوف وترقّب دائم يضع الصحافي الميداني في حالة إنذار عصبي مستمر. في هذه الظروف يرتفع إفراز الأدرينالين والكورتيزول، فيدخل الجسم بحالة استنفار: دقّات قلب سريعة، توتر عضلي، صعوبة نوم، وفرط انتباه لأي صوت.
ومع الوقت، هذا الضغط المستمر يُرهق الجهاز العصبي ويؤثر على المشاعر والتفكير. بعض الصحافيين يصابون ببلادة عاطفية، وآخرون يعانون من خوف وقلق أو نوبات هلع حتى بعد انتهاء التغطية وهي حالات تتطلّب استراحة فورية.
وتشرح نحيلي أن التجارب القاسية قد تترك أثرًا طويل الأمد وقد تؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): كوابيس، استرجاع للمشاهد المؤلمة، قلق دائم، تجنّب تذكارات الحرب، توتر عصبي، وإرهاق نفسي. وغالبًا ما تظهر الأعراض بعد هدوء الأحداث، لا خلالها.
وعلى مستوى المؤسسات الإعلامية، تشدّد نحيلي على ضرورة:
● تحضير الصحافي نفسيًا قبل النزول للميدان
● تدريبه على تقنيات تهدئة الجهاز العصبي مثل تمارين التنفّس والـ grounding
● التنبّه لعلامات الانهيار المبكر
● عدم إرسال الصحافي لفترات طويلة ومتواصلة إلى مناطق الحرب لتجنّب الصدمة التراكمية
● توفير جلسات دعم نفسي وبيئة حاضنة للتفريغ العاطفي بعد التغطيات الصادمة
وتختم نحيلي بأن كثيرًا من الصحافيين لا ينهارون خلال الحرب، بل بعد انتهائها، حين تبدأ آثار الصدمة بالظهور بوضوح .
شهادات هؤلاء الصحافيين تكشف أنّ الحرب لا تُغطّى من خلف الكاميرا بل تُعاش على مستوى الجسد والذاكرة. ما حملوه من صور ونجاة وخوف لم يكن تفصيلاً عابراً، بل جزءاً من الثمن الإنساني لقول الحقيقة. ومع أنّ ميادين الحرب تختلف ووجوه الضحايا تتبدّل، يبقى الدرس واحداً: في كل مرة يخرج فيها صحافي إلى الميدان، لا ينقل فقط ما يحدث… بل ينجو منه.



