بابلياتفن ومنوعات

الخروب في جنوب لبنان.. موسمٌ من ذاكرة الأرض إلى فرص السوق

هشام حطيط

الخروب في جنوب لبنان.. موسمٌ من ذاكرة الأرض إلى فرص السوق

جنوب لبنان – مع اقتراب موسم القطاف، تتبدّل ملامح حقول الخروب في قرى الجنوب. قرونٌ داكنة تتدلّى من أغصان الأشجار المعمّرة، فيما يستعيد المزارعون طقوسًا ريفية توارثوها جيلًا بعد جيل. هنا، لا يُنظر إلى الخروب باعتباره محصولًا زراعيًا فحسب، بل جزءًا من ذاكرة المكان، وموردًا يمكن أن يساهم في دعم الاقتصاد الريفي إذا حظي بالتصنيع والتسويق المناسبين.

في الأراضي الجنوبية، تنمو أشجار الخروب في ظروف مناخية تساعدها على الصمود أمام الجفاف نسبيًا، وهو ما يجعلها من المحاصيل التي يوليها بعض المزارعين اهتمامًا متزايدًا، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة الري والإنتاج وتراجع قدرة العديد من المحاصيل على تأمين مردود مستقر.

من الشجرة إلى القرون

تبدأ رحلة الخروب من شجرة قادرة على البقاء سنوات طويلة وإنتاج المحصول، قبل أن يحين موعد القطاف. ويشكّل جمع القرون مرحلة أساسية في الموسم، إذ تحتاج الثمار إلى الفرز والتجفيف والتخزين بعناية للحفاظ على جودتها قبل انتقالها إلى مرحلة التصنيع.

وبعد القطاف، يمكن أن تتحول قرون الخروب إلى مجموعة من المنتجات، أبرزها دبس الخروب ومسحوق الخروب، إضافة إلى استخدامات مختلفة في الصناعات الغذائية. وهنا تحديدًا تكمن القيمة المضافة التي يمكن أن يحصل عليها المزارع والمنتج؛ فكلما انتقلت العملية من بيع الثمار الخام إلى التصنيع والتوضيب والتسويق، ازدادت فرص تحقيق عائد اقتصادي أفضل.

دبس الخروب.. نكهة الجنوب

في البيوت الجنوبية، يحتفظ دبس الخروب بمكانته كأحد المنتجات التقليدية المرتبطة بالموسم الزراعي. وتبدأ عملية إنتاجه من تكسير القرون واستخلاص عصارتها، ثم تمر العصارة بمراحل معالجة وتركيز وصولًا إلى المنتج النهائي.

ولا تزال بعض العائلات والمنتجين الصغار يعتمدون أساليب تقليدية في إعداد الدبس، في مشهد يجمع بين المعرفة الزراعية القديمة ومحاولات تطوير المنتج ليتناسب مع متطلبات الأسواق الحديثة.

لكن المنتج التقليدي يواجه تحديًا أساسيًا: كيف يمكن الحفاظ على هويته وجودته، وفي الوقت نفسه تحويله إلى منتج قادر على المنافسة والتوسع؟

من محصول تقليدي إلى صناعة ريفية

يرى مهتمون بالقطاع الزراعي أن مستقبل الخروب في الجنوب لا يرتبط فقط بزيادة المساحات المزروعة، وإنما بتطوير سلسلة القيمة كاملة، بدءًا من تحسين الزراعة والإنتاج، مرورًا بالقطاف والفرز والتجفيف، وصولًا إلى التصنيع والتغليف والتسويق.

فإنتاج الدبس والمسحوق والمنتجات الغذائية المشتقة من الخروب يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع زراعية وغذائية صغيرة، ويمنح النساء والشباب في المناطق الريفية فرصًا إضافية للعمل، كما يساعد في إبقاء جزء أكبر من القيمة الاقتصادية للمحصول داخل المنطقة المنتجة.

وتبرز هنا أهمية التعاون بين المزارعين والبلديات والتعاونيات والجهات المعنية بالقطاع الزراعي، إلى جانب دور المؤسسات الداعمة في توفير التدريب والمعدات والمساعدة التقنية وفتح قنوات تسويق جديدة.

تحديات تبدأ من الحقل

رغم إمكاناته، لا يخلو إنتاج الخروب من الصعوبات. فالمزارع يواجه ارتفاعًا في تكاليف اليد العاملة والقطاف والنقل، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالوصول إلى الأسواق والحصول على سعر عادل للإنتاج.

كما أن محدودية التصنيع المنظم تشكل عقبة أمام الاستفادة القصوى من المحصول. فبيع الخروب كقرون خام يختلف اقتصاديًا عن تحويله إلى منتج نهائي يحمل هوية تجارية وتغليفًا مناسبًا ويصل إلى المستهلك مباشرة.

وتزداد الحاجة، لذلك، إلى الاستثمار في التصنيع الغذائي المحلي، ووضع معايير واضحة للجودة، وتحسين أساليب التخزين والتوضيب، إلى جانب تطوير التسويق الإلكتروني والأسواق المتخصصة بالمنتجات الريفية والتراثية.

شجرة تقاوم وتبقى

في جنوب لبنان، تحمل شجرة الخروب قصة تتجاوز حدود الزراعة. إنها شجرة ارتبطت بالأرض وبالموسم وبالمطبخ الريفي، وبقيت حاضرة رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة.

واليوم، ومع تزايد الحديث عن الزراعة المستدامة وتنويع المحاصيل وتعزيز الاقتصاد المحلي، يمكن للخروب أن يستعيد موقعه كأحد المنتجات الزراعية القابلة للتطوير، شرط أن ينتقل من كونه محصولًا تقليديًا إلى سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من المزارع ولا تنتهي عند المستهلك.

فبين أغصان الأشجار وقرون الخروب الداكنة، تختزن قرى الجنوب إمكانات اقتصادية تحتاج إلى من يستثمر فيها. وقد تكون إعادة الاعتبار لهذه الشجرة، وتطوير منتجاتها، إحدى الطرق للحفاظ على الأرض وتحويل خيراتها إلى مصدر دخل وفرص عمل للأجيال المقبلة.

الخروب في الجنوب قصة أرض، وذاكرة مزارعين، وفرصة لصناعة ريفية يمكن أن تنمو إذا وجدت الدعم والتسويق والاستثمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى