
قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في مستهل جلسة مجلس الوزراء : “نُشير إلى علمنا بوجود ضريح في طرابلس لحوالي 14 طفلًا استشهدوا برصاص الانتداب خلال تظاهرهم للمطالبة بالاستقلال، ولا يزال الضريح قائمًا حتى يومنا هذا. ونُطالب بتكريمهم، وسنذكرهم في الكلمة التي سنتوجّه بها غدًا إلى اللبنانيين، لأنّ من حقهم أن يتمّ ذكرهم أسوةً برجالات الاستقلال الذين نكرّمهم”… إليكم قصة هؤلاء الأطفال الابطال الشهداء:
في ذكرى الاستقلال، قد لا يذكر البعض مقابر 14 شهيداً طرابلسياً (أكبرهم لا يزيد عمره على الـ 15 عاماً) استُشهدوا يوم السبت في 13 تشرين الثاني 1943 بدفاعهم عن وطنهم ومطالبتهم باستقلاله، وذلك بعد معرفتهم بخبر اعتقال الزعيم عبد الحميد كرامي من منزله (الجمعة في 12 تشرين الثاني) وبثياب النوم في بلدة مرياطة واقتياده إلى قلعة راشيا أيّ إلى المنفى، ما دفع طلّاب كلّية دار التربية والتعليم الاسلامية إلى تنفيذ تظاهرة حاشدة في اليوم التالي مباشرة، فتجمّعوا عند مسجد طينال وانضمّ إليهم تلامذة ومشاركون آخرون، وانطلقت التظاهرة لتجوب كلّ شوارع المدينة حتّى ساحة التلّ وانتقالاً منها إلى شارع المصارف وساحة السلطي للمطالبة بالإفراج فوراً عن الأفندي (الذي “ذاق طعم الظلم في قلعة راشيا”، كما يقول الكاتب نصري الصايغ) ورفاقه وإعلان استقلال لبنان، وردّدوا شعارات بإسقاط فرنسا والاستعمار، فوجدوا أنّ الدبابات الفرنسية كانت بانتظارهم.
وبأوامر فرنسية ومن الضابط الفرنسي مباشرة، تحرّك الجنود السنغاليّون بدباباتهم باتجاه الطلّاب، فارتكبوا مجزرة مروّعة لا تُنسى، ومع محاولة التلاميذ اللجوء إلى الأرصفة، إلا أنّ سرعة الدبابات كانت “قياسية”، بحيث داست على أجسادهم كما أطلقوا الرصاص على “الأطفال”، فاستُشهد 14 طالباً هم: سليم صابونة، أحمد صابر كلثوم، رشيد رمزي حجازي، فوزي قاسم شحود، محمّد ثروت، عبد الغني أفيوني، عباس إبراهيم حبوشي، محمّد علي حسين خضر، عبد القادر مصطفى الشهال، كمال عبد الرزاق ضناوي، وديع خاطر بركات، أحمد جوجو، محمّد حسين المحمّد وسليم الشامي، كما جُرح أكثر من 25 آخرين، أحدهم من آل هاجر قطعت يده، وآخر من آل الخطيب مرّت الدبابة فوقه ولم تقتله.
هذه الحادثة قلبت حياة الطرابلسيين إلى “سواد”، فاندفعوا إلى مسيرة غاضبة انطلقت من المسجد المنصوري الكبير بعد الصلاة على الجثامين المدفونة اليوم في مدافن “الشهداء”- باب الرمل (حيث تراكمت فوقهم الأعشاب والإهمال لأعوام في مشهد يُشير إلى تعمّد إهمال تاريخ طرابلس وتهميش مشاركتها وبصمتها في ذكرى الاستقلال)، ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ، فقد أعلن أهل المدينة العصيان المدنيّ والاستمرار في الاعتصامات والحراك الشعبيّ للضغط على الفرنسيين بإخراج المعتقلين، فاستمرّوا على هذا المنوال حتّى إعلان استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني 1943.



