إسرائيل تؤجل المرحلة التجريبية وتفرض شروطاً لتطبيق الاتفاق

بعد أيام قليلة من توقيع “الاتفاق الإطاري”، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جولة في جنوب لبنان، في زيارة عُدّت تحدياً للدولة اللبنانية وهدفت إلى رفع معنويات الجنود الإسرائيليين المنتشرين على الأراضي اللبنانية. وأكد نتنياهو أمامهم أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان إلا بعد نزع سلاح حزب الله وضمان عدم تهديده أمن إسرائيل.
وعقب الزيارة مباشرة، أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أن تل أبيب أرجأت المرحلة التجريبية للانسحاب من جنوب لبنان، وطالبت الجيش اللبناني بالتحرك فورًا ضد حزب الله، وفقًا لما وصفته بالاتفاق الإطاري الموقّع مع بيروت برعاية أمريكية.

وبذلك، يبدو أن لبنان أمام واقع إسرائيلي جديد يفرض شروطاً مسبقة قبل البدء بتنفيذ الاتفاق الإطاري، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية، بما يشمل تقسيم القرى، وهدم المنازل، وتجريفها، مستندةً إلى اتفاق يمنع الدولة اللبنانية، وفق هذا الطرح، من تقديم شكوى ضد المعتدي.
رسالة عون للجيش
محليًا، بعث رئيس الجمهورية جوزاف عون برسالة خلال اجتماعه بقائد الجيش العماد رودولف هيكل، مفادها أن الجيش ملتزم بقرارات السلطة السياسية. ويمكن تفسير هذه الرسالة بأنها تتعلق بتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، ودور الجيش في هذا السياق. وبهذا المعنى، يبدو أن لبنان أمام واقع مفروض عنوانه تنفيذ الجيش لقرارات السلطة السياسية، تحت إشراف أمريكي مباشر يتجلى في حضور فريق عسكري أمريكي في كل من لبنان وإسرائيل، وفق ما ينص عليه الاتفاق الإطاري.
الكونغرس يؤيد تدخل جيشه جنوباً
وفي السياق ذاته، برز موقف لمجلس النواب الأمريكي تمثل في رفض مشروع قرار يقضي بمنع مشاركة القوات الأمريكية في العمليات القتالية في لبنان. فقد صوّت لمصلحة القرار 189 نائبًا، فيما عارضه 235 نائبًا. وكان مشروع القرار يدعو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سحب القوات الأمريكية من أي عمليات قتالية في لبنان خلال سبعة أيام. وأوضح مقدمو المشروع أن القوات الأمريكية لا تشارك حاليًا في عمليات قتالية داخل لبنان، إلا أن هدفهم هو منع حدوث ذلك مستقبلًا.
وفي الأثناء، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن تل أبيب أرجأت المرحلة التجريبية للانسحاب من جنوب لبنان، وطالبت الجيش اللبناني بالتحرك فورًا ضد حزب الله، ضمن الاتفاق الإطاري الموقّع مع بيروت برعاية أمريكية.
ونقلت الهيئة عن مصادر مطلعة قولها إن المرحلة التجريبية أُرجئت إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن آلية رقابة مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، تتولى الإشراف على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الملحق الأمني للاتفاق الإطاري.
وبحسب الهيئة، فإن آلية الرقابة ستتولى تنسيق الجهود الرامية إلى تجريد حزب الله من سلاحه، وليس مجرد التحقيق في خروقات وقف إطلاق النار. وأضافت أن الولايات المتحدة ستعتمد الشخصيات المشاركة في هذه الآلية “لضمان عدم وصول المعلومات الحساسة إلى حزب الله”.
شروط إسرائيلية على لبنان
ووفقًا للمصادر نفسها، فإن القوات الإسرائيلية لن تنسحب إلا بعد “وضع معايير واضحة يلتزم بموجبها الجيش اللبناني بالتحرك ضد حزب الله بصورة ملموسة وفورية”.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تأكيد نتنياهو، خلال جولة ميدانية في جنوب لبنان برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن إسرائيل لن تغادر الجنوب اللبناني ما دامت التهديدات قائمة، على حد تعبيره. وأضاف: “ما دام حزب الله هنا مسلحًا، فإنه يشكل خطرًا علينا، وسنبقى هنا”.
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، اطّلع نتنياهو وكاتس خلال الزيارة على عرض لمنظومات وذخائر وأسلحة جديدة مخصصة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة، كما تلقيا إحاطة حول عمليات الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
وقال نتنياهو مخاطبًا الجنود: “طالما أن حزب الله موجود هنا ويهددنا، فسنظل هنا”، مضيفًا أن التعليمات الصادرة للقوات تقضي بالتحرك فور رصد أي تهديد. كما زعم أن إسرائيل بدأت “بتحطيم المحور الإيراني”، معتبرًا أن حزب الله كان “الحلقة الأهم” فيه، وأضاف أن الحزب كان يمتلك نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، ولم يتبقَّ لديه، بحسب ادعائه، سوى نحو 8% من هذه الترسانة. كما ادعى أن الجيش الإسرائيلي قتل نحو تسعة آلاف من مقاتلي الحزب، بينهم مئات خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يعمل على إنشاء “مناطق عازلة” داخل الأراضي اللبنانية، وليس داخل إسرائيل، على غرار المنطقة العازلة في قطاع غزة. وأكد أن إسرائيل “لن تسمح لجيش من الإرهابيين بالتمركز على حدودها”، على حد تعبيره، مضيفًا: “نحن نُبعدهم، وهذا ما تقومون به. وأنتم تدمرون كل ما هو فوق الأرض وتحتها، مما استخدموه لمهاجمتنا. التسلل، والهجمات، وأنفاق الإرهاب، وقرى الإرهاب، كل ذلك سيزول. هذه هي التعليمات: لا تتركوا شيئًا، وأنتم تنفذون ذلك”.
وفي معرض دفاعه عن الاتفاق الإطاري مع لبنان، قال نتنياهو: “لبنان يعترف بإسرائيل، وإسرائيل تعترف بلبنان، ونقول أيضًا لإيران ولحزب الله: ارحلوا من هنا، فلا مكان لكم هنا. هناك دولتان ذواتا سيادة تريدان صنع السلام بينهما، وتريدان إعادة الأمن والازدهار لسكان الشمال ولسكان لبنان أيضًا”. وحذر قائلًا: “إنها لكمة في وجه المحور الإيراني، وليس بالضرورة أن يمر ذلك بهدوء”.
كما زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي وجود بنية تحتية ضخمة تحت الأرض تابعة لحزب الله في جنوب لبنان، واصفًا إياها بأنها “تشبه البنتاغون تحت الأرض”.
جهة معارضة داخلية
على مستوى السياسة الداخلية، ظل الاتفاق الإطاري موضع انقسام. فقد هاجمه حزب الله، فيما اعتبره رئيس مجلس النواب نبيه بري كأنه لم يكن. وباشر الثنائي الإعداد لجبهة معارضة واسعة للاتفاق، الذي لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيُعرض على مجلس الوزراء، في حين أكد حزب الله تمسكه بخيار المقاومة، معولًا على فعالية اتفاق إسلام آباد.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن “إيران لن تبدأ مفاوضات الاتفاق النهائي قبل تنفيذ البنود 1 و4 و5 و10 و11 من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة”.
وأوضح أن اللقاءات الجارية حاليًا لا تُعد مفاوضات جديدة، بل تهدف إلى متابعة نتائج المفاوضات السابقة وضمان تنفيذها، مشيرًا إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان لمراقبة إنهاء الحرب وتحقيق السيادة الوطنية للبنان، على أن يمثل السفير الإيراني طهران فيها.
ودعا قاليباف إلى النظر في موقف حزب الله وأمينه العام نعيم قاسم من مذكرة التفاهم، فضلًا عن مواقف بعض الأطراف داخل إيران، لافتًا إلى وجود تباين في مقاربة الملف داخل الإدارة الأمريكية بين ماركو روبيو وجي دي فانس.



