سياسة

هل تنتقل مفاوضات روما من تثبيت الهدنة إلى تثبيت السلام الأمني؟

لم تعد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، المنعقدة في روما برعاية أميركية، مجرد محطة تفاوضية جديدة، بل باتت تشكل الامتحان الأول لجدية اسرائيل في الانتقال من توقيع اتفاق الإطار إلى تنفيذه على الأرض.
فالجولات السابقة أرست المبادئ العامة، ورسمت آلية العمل، وفتحت الباب أمام معالجة الملفات العالقة. أما اليوم، فإن المطلوب لم يعد تبادل المواقف، بل إنتاج نتائج ملموسة يشعر بها اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب الذين عاد قسم منهم إلى قراه ليجدها مدمرة أو غير قابلة للحياة.
دخل الوفد اللبناني إلى المفاوضات وهو يتمسك بأولوية واضحة، وهي استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ووقف الخروق والاعتداءات، بما يسمح للجيش باستكمال انتشاره، ويفتح الباب أمام إعادة إعمار القرى الحدودية وعودة الحياة الطبيعية إليها.
في المقابل، تبدو إسرائيل حريصة على الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية، معتبرة أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تضمن، من وجهة نظرها، منع عودة التهديدات على حدودها. ومن هنا، تستمر عملياتها العسكرية والتفجيرات في الجنوب، في رسالة مزدوجة، وهي أن التفاوض مستمر، لكن الضغط الميداني مستمر أيضاً.
وهنا تكمن المفارقة. فكيف يمكن للمفاوضات أن تبني الثقة، فيما تستمر الوقائع الميدانية في تقويضها، وكيف يمكن إقناع سكان القرى الحدودية بأن مرحلة جديدة قد بدأت، فيما يسمعون يومياً أصوات الانفجارات، ويعيشون تحت وطأة القلق من تجدّد التصعيد؟
ولعل التجربة التي أطلقت في ما بات يعرف بـ”المناطق التجريبية” ستكون أحد أبرز الملفات المطروحة في روما. فقد شكّلت هذه المناطق أول اختبار عملي لاتفاق الإطار، وأظهرت أن الانسحاب العسكري وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع إزالة آثار الحرب، وتأمين البنى التحتية، وإعادة الخدمات، وضمان الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت تجربة زوطر الغربية، كما غيرها من القرى، أن استعادة الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الحياة. فالدمار الواسع الذي واجهه الأهالي عند عودتهم كشف أن نجاح أي اتفاق لن يُقاس بعدد المواقع التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، بل بقدرة الدولة والمجتمع الدولي على تحويل هذا الانسحاب إلى عودة فعلية للناس، لا إلى زيارة مؤقتة بين الأنقاض.
ومن هنا، ينتظر لبنان من جولة روما أكثر من بيانات إيجابية. فهو يريد جدولاً زمنياً واضحاً لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وضمانات أميركية ودولية تلزم جميع الأطراف بتنفيذ ما اتُّفق عليه، ووقف الخروق التي تُبقي الجنوب في دائرة التوتر، إضافة إلى توفير مظلة دولية لإطلاق ورشة إعادة الإعمار في المناطق التي دمرتها الحرب.
كما يراهن لبنان على أن تكرّس هذه الجولة مبدأ التوازن في تنفيذ الالتزامات، بحيث لا تتحول المفاوضات إلى مسار يطالب لبنان وحده بخطوات إضافية، فيما تبقى إسرائيل متحررة من استحقاقات مماثلة.
وفي المقابل، تدرك الدولة اللبنانية أن نجاحها في التفاوض سيكون مرتبطاً أيضاً بقدرتها على تنفيذ ما يترتب عليها، وفي مقدمته استكمال انتشار الجيش، وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية، وتثبيت سلطة الدولة في المناطق التي يشملها الاتفاق، بما يعزز صدقيتها أمام المجتمع الدولي وأمام اللبنانيين معاً.
إن جولة روما ليست مفاوضات تقنية حول ترتيبات ميدانية فحسب، بل هي مفاوضات حول شكل المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني. فإذا نجحت في تحويل اتفاق الإطار إلى واقع مستقر، تكون قد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأمن وإعادة الإعمار. أما إذا بقيت الهوة واسعة بين ما يجري على طاولة المفاوضات وما يحدث في الميدان، فإن الاتفاق سيبقى هشاً، وسيظل الجنوب يعيش بين هدنة معلقة واحتمال دائم للانفجار.
لذلك، فإن السؤال الذي سيلازم هذه الجولة ليس فقط: ماذا سيحقق المفاوضون؟ بل أيضاً: هل تنجح مفاوضات روما في إنتاج سلام أمني مستدام، أم تكتفي بإدارة هدنة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى