“48 ساعة للرحيل”… واشنطن تطرد القنصل شرارة ورواية جديدة تقلب القضية!

انتقلت قضية القنصل العام اللبناني في ديترويت، إبراهيم شرارة، من سجال إعلامي حول منشورات قديمة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أزمة دبلوماسية فعلية بين بيروت وواشنطن، بعدما أبلغت وزارة الخارجية الأميركية السفارة اللبنانية رسمياً قرار اعتبار شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، مع منحه مهلة قصيرة لمغادرة الأراضي الأميركية.
وأكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لصحيفة “الشرق الأوسط” أن السفارة اللبنانية في واشنطن تلقت الإبلاغ الرسمي الأميركي، وأن القرار يقضي بمغادرة شرارة الولايات المتحدة خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة.
وفي معلومات أكثر تفصيلاً، نقلت صحيفة “لوريان لوجور” عن مصدر مقرّب من القنصل أن السلطات الأميركية أبلغته القرار بعد ظهر الجمعة، وحددت له الساعة الثامنة من صباح الأحد موعداً نهائياً للمغادرة.
لكن التطور اللافت لا يقتصر على قرار الإبعاد، بل يشمل ظهور رواية مضادة تشكك في الأساس الذي استندت إليه الحملة الإعلامية ضد الدبلوماسي اللبناني.
فقد أكد مصدر قريب من شرارة، بحسب الصحيفة، أن الحساب الذي نُشرت عبره التعليقات المثيرة للجدل كان قد تعرض للاختراق قبل سنوات، وأن القنصل لم يكتب المنشورات المنسوبة إليه، ولم يعد يملك حق الوصول إلى الحساب أو البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف المرتبط به.
وهذه الرواية، التي تنفي مسؤولية شرارة عن مضمون المنشورات، لم تكن قد دُعمت بتقرير تقني مستقل منشور يثبت حصول الاختراق أو يحدد هوية الشخص الذي استخدم الحساب.
وتعود خلفية القضية إلى تقرير نشره موقع “واشنطن فري بيكون” الأميركي في الثاني من تشرين الثاني، كشف فيه عن منشورات تعود إلى عام 2021 نُسبت إلى شرارة، وتضمنت إشادة بالهجوم الذي استهدف ثكنة مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983، وأسفر عن مقتل 241 عسكرياً أميركياً.
واعتبر الموقع أن تلك المنشورات تتضمن تبريراً للهجوم، قبل أن يعود في السابع من تشرين الثاني ليكشف قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب إبعاد القنصل اللبناني عن الولايات المتحدة.
غير أن أبعاد القضية اتسعت بعدما دخلت النشاطات السياسية التي شارك فيها شرارة في ولاية ميشيغان على خط الجدل.
فقد أشار التقرير الأميركي إلى مشاركة القنصل في مناسبات حضرها السياسي الديمقراطي عبد السيد، الذي انتُخب أخيراً عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، وإلى صورة جمعته به خلال مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية.
وفي المقابل، أوضح المصدر المقرّب من شرارة أن حضوره تلك المناسبة جاء بصفته الدبلوماسية، نافياً مشاركته في أي نشاط انتخابي أو حملة سياسية، ومعتبراً أن إثارة القضية ارتبطت أيضاً بمحاولات استهداف عبد السيد سياسياً.
وتحدثت معلومات نشرتها صحيفة “النهار”، نقلاً عن مصادر مطلعة في واشنطن، عن أن الاعتراض الأميركي لم يقتصر على المنشورات القديمة، بل شمل مراجعة مشاركة القنصل في مناسبات ذات طابع سياسي داخلي، اعتُبرت من جانب المصادر الأميركية انحيازاً إلى طرف في الحياة السياسية الأميركية.
وفي حال تثبتت هذه المعطيات، فإن القضية تتجاوز الجدل حول منشورات قديمة إلى مسألة التزام الدبلوماسيين الأجانب بالقواعد التي تحكم نشاطهم السياسي داخل الدولة المضيفة.
لكن المصدر المقرب من شرارة أثار بدوره تساؤلات بشأن توقيت القرار، مشيراً إلى أن القنصل كان قد خضع لإجراءات التدقيق الأمني اللازمة للموافقة على تعيينه في نيسان 2025، من دون أن تُثار آنذاك اعتراضات على المنشورات المنسوبة إليه، رغم أنها تعود إلى سنوات سابقة.
كما لفت إلى أن الإبلاغ جرى بعد ظهر الجمعة، خارج ساعات العمل الرسمية، مع منحه مهلة قصيرة للمغادرة، ما ضيّق الوقت المتاح أمامه لمعالجة القضية عبر القنوات الدبلوماسية.
ومن الناحية القانونية، فإن إعلان دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه هو إجراء سيادي تملكه الدولة المضيفة بموجب القواعد الدبلوماسية، ولا يشترط صدور حكم قضائي لإعماله. إلا أن هذا الإجراء لا يحسم بذاته صحة كل الاتهامات التي رافقت اتخاذ القرار.
وفي لبنان، تطرح القضية أسئلة تتصل بكيفية إدارة وزارة الخارجية الأزمة، وما إذا كانت ستكتفي بتنفيذ القرار الأميركي أو ستطلب توضيحات بشأن أسبابه، خصوصاً في ظل نفي شرارة مسؤوليته عن المنشورات التي شكلت محور الحملة ضده.
كما تبرز مسألة استمرار العمل في القنصلية اللبنانية في ديترويت، التي تتولى شؤون جالية لبنانية واسعة في ولاية ميشيغان ومحيطها، والجهة التي ستتولى إدارة الخدمات القنصلية بعد مغادرة القنصل العام.
وحتى الآن، لم تتوافر معطيات موثقة تؤكد تنفيذ المغادرة فعلياً أو الإعلان عن تعيين بديل، كما لم يُنشر تقرير تقني مستقل يحسم الخلاف بشأن الحساب الإلكتروني.
وتأتي الأزمة في توقيت حساس للعلاقات اللبنانية الأميركية، في ظل الدور الذي تضطلع به واشنطن في الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بلبنان، ما يزيد أهمية احتواء القضية ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية ومنع انتقالها إلى خلاف أوسع.
وبين قرار أميركي نافذ ورواية دفاعية تنفي الاتهامات، يبقى السؤال المطروح على وزارة الخارجية اللبنانية: هل تملك معطيات تتيح لها الاعتراض على الأسباب التي استند إليها القرار، أم أن الملف سيتجه إلى الإقفال بمغادرة القنصل وتعيين خلف له؟
فقرار الإبعاد بات حقيقة دبلوماسية، أما حقيقة المنشورات المنسوبة إلى شرارة، والجهة التي تقف وراءها، فلا تزال مسألة تحتاج إلى أدلة تتجاوز الاتهام والنفي.



